مولي محمد صالح المازندراني
142
شرح أصول الكافي
( فمن علم عمل ، ومن عمل علم ) قيل : هذا أمر في صورة الخبر يعني يجب أن يكون العلم مع العمل بعده ، والعمل مع العلم قبله ، والأظهر أنّه إخبار بأنّ كلّ واحد من العلم والعمل لا يفارق صاحبه ، وقد شبّه المحقّق الطوسي العلم بالصورة والعمل بالمادة وقال : فكما لا وجود للمادّة بلا صورة ولا ثبات للصورة بلا مادّة فكذلك لا وجوده لعمل بلا علم ولا ثبات لعلم بلا عمل ، وإذا اجتمعا حصل الغرض الأصلي من خلق الإنسان . أقول : سرّ ذلك أنّ المراد بالعلم العلم المعتبر عقلاً وشرعاً وهو الذي خرج من حدّ الحال إلى حدّ الرسوخ والملكة ، وهذا العلم لا ينفكّ عنه آثاره قطعاً ومن جملتها الأفعال والأعمال الحسنة . وكذلك المراد بالعمل العمل الموجب للقرب من الحقّ والدخول في زمرة المقرّبين ، وهذا العمل لا يفارق عنه العلم أصلاً فبينهما تلازم كما بين المادّة والصورة ، فكلّ علم لم يكن معه عمل فهو حال مقرون بالاستخفاف بالدين ومثل هذا العلم لكونه حالاً ومشتملاً على الاستخفاف مع إمكان زواله لحصول أسباب الزوال وموانع الرسوخ ليس بعلم حقيقة ، وكلّ عمل لم يكن معه علم فهو متضمّن للبدعة والفساد على اليقين ; لأنّ ما يفسد العامل الجاهل أكثر ممّا يصلح ، ومثل هذا العمل ليس بعمل حقيقة . ( والعلم يهتف بالعمل ، فإن أجابه وإلاّ ارتحل عنه ) في المغرب : الهتف الصوت الشديد من باب ضرب ، وهتف به صاح به ودعاه ، وتقول : سمعت هاتفاً يهتف إذا كنت تسمع الصوت ولا تبصر أحداً ، شبّه العلم بمن يدعو صاحبه في محلّ موحش فاستعير الهتف والارتحال له . وحاصل الكلام : أنّ العلم باعث على العمل ودليل عليه ، والعمل حافظ له وسبب لبقائه ، فإن عمل العالم بمقتضى علمه دام نور قلبه من العلم وإلاّ زال عنه . توضيح ذلك : أنّ العلم نور إلهي وسراج ربّاني يتنوّر القلب به بالإفاضة ، إمّا بالمكاشفة أو بالكسب والتعليم ، وهو سبب لحالات اُخرى للقلب مثل الشوق والعزم على العمل الموجب لقرب الحقّ والعمل له تأثير عظيم في صفاء القلب وإزالة الظلمة والحجاب عنه ، وهو بذلك سبب لحفظ العلم وحراسته كما أنّ ترك العمل وهو ذنب له تأثير في ظلمة القلب وكدورته واحتجابه بالغشاوة الموجبة لزوال العلم ; لأنّ إحاطة الظلمة وسواد الكدورة بجزء من القلب يوجب خروج نور العلم منه حتى إذا أحاطت الظلمة بجميع أجزائه خرج عنه نور العلم بالكلّية ، وبما ذكرنا يظهر حقيقة قوله ( عليه السلام ) : « والعلم يهتف بالعمل » ; لأنّ العلم سبب للعمل ودليل عليه ، والسبب يدعو المسبّب ويطلبه ، فإن أجابه وتبعه بقي العلم واستمرّ ثباته ; لأنّ العمل يصلح مرآة القلب ويكمل استقامته وينظم سياسته ، وإن لم يجبه ولم يتبعه ارتحل العلم وزال لأنّ وجه المرآة مسودّ مظلم