علي بن محمد التركه

تقديم 46

شرح فصوص الحكم

وقال « 1 » : « إنّ العلوم الذوقيّة وإن وقف عليها بعض أولياء الله قبل زماننا هذا حسبما لهم من القوّة الوهبيّة . . . إلا أنّهم أصبحوا متقاعدين عن أمر إظهارها كما ينبغي ، فكأنّهم ما قدروا على إبلاغها للطالبين . . . بل إنّما أحالوهم إلى الذوق وانتهاج طرق استحصاله . . . إلى أن سطع تباشير صبح الأنوار الختميّة عن أفق زماننا هذا ، وتنبّه أهله لما هو المقاليد لاستفتاح طرق تلك العلوم بمباديها وغاياتها وذلك هي الحروف بوجوهها الثلاثة ، سيّما الوجه المعنويّ العدديّ ، فإنّه هو الذي عدده الله تعالى لاستفتاح أبواب المراد واستنجاح المقاصد التي لكل شخص من العباد ، من ابتداء المبدء إلى تمام المعاد . . . » . ولعلّ بما حكينا من النصوص تبيّن أهميّة علم الحروف عند صائن الدين وغرضه منه وبقي أن نتفحّص عن كيفيّة استحصاله المسائل منها واستنطاق الحروف فإنّ فهم كثير من التلويحات التي ستجيء في مطاوي شرحه هذا متوقّف على ذلك . قال « 2 » : « إنّ التنبيهات التي في طيّ الكلمات المنزّلة وحروفها لها طبقات ومدارج : منها ما تشارك فيه العامّة وذلك أن يكتفى مثلا من القول الكامل بالحدود الوسطى كما في قوله تعالى حكاية عن خليله : * ( لا أُحِبُّ الآفِلِينَ ) * . . . هذا كله على أسلوب الدلالة المتعارفة المتعاورة بين الناس ، وهو طرف الظاهر من الكلام . ثمّ إذا تدرّج في أطوار حدوده وتعمّق صوب بطونه وجد له طبقات ومراتب : أمّا الدرجة الأولى منه ، فهو أن يكون الحروف التي في الكلام قد اعتبرت في تلك الدلالة بجواهرها ونسبها التأليفيّة ، كما فهم بعض أئمّة التحقيق من قوله تعالى : * ( لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجاً ) * : « مبدأ مجيء الكلّ » . ثمّ الدرجة الأخرى منها أن يكون المعتبر في تلك الدلالة الحروف أنفسها - بدون تلك النسب - كما فهم صاحب المحبوب من « توبة آدم » : « تمام البداء » قائلا : « لمّا

--> « 1 » المفاحص : مخطوط م 69 . « 2 » المفاحص : مخطوط م 74 .