علي بن محمد التركه
تقديم 4
شرح فصوص الحكم
وآخرون اعتقدوا أن الوصول إلى الحقّ لا يمكن بالنظر الصّرف ، بل الطريق إلى ذلك هو الاشتغال بالمجاهدات والرياضات حتى يتقوّى الإنسان ويتمكَّن من معرفة نفسه أولا ، ثم باتّساع نفسه وإحاطتها في ظلّ هذا التوسّع على العالم حوله يتمكَّن من معرفة العالم بقدر ما يحيط به ويشاهده عين نفسه . وأهل هذه الطريقة تسمّوا باسم العرفاء ، وطريقتهم العرفان العملي . وبعد ذلك عرض عدة منهم مكاشفاتهم وما وجدوا في طي مراقباتهم على غيرهم ، لكنها كانت مطالب متفرقة غير منسجمة ولا مترابطة - فتصدّى جمع - وفي طليعتهم ابن عربي صاحب متن هذا الكتاب - لجمعها وتنسيقها وبيان ارتباطاتها وبعرض تلك المطالب والمشي على سياقها ، وعند ذلك نشأ علم آخر سمّى باسم العرفان النظري . ولم تكن هذه المطالب قابلة للعرض في المجتمع العلمي بصورة مقبولة ، وإنما هي ادعاءات من قبل قائلها غير قابلة للردّ والإثبات ، فتصدّى جمع آخر لتبيينها بالمنهج البرهاني القابل للعرض في المجتمع العام ، وكان من أوائل أولئك المجتهدون شارح هذا المتن في كتابه تمهيد القواعد ، ثم داوم المجاهدة حتى جاء صدر المتألهين الشيرازي ، وتصدّى بوضع أصول بنائية بيّن بها المعارف النظرية العرفانية بلسان فلسفي - حسب ما قدّر له - وبذلك أوجد خطَّا وسطا بين العرفان والفلسفة ، سماه الحكمة المتعالية . ولعل ما ذكرناه لوضوحه لم يكن لازما ، غير أن العذر في إيرادها أنّا بصدد تبيين موقع هذا المتن والشرح ومكانتهما في هذا السلوك العلمي ، فلم يكن بدّا من ذكرها . العرفان النظري : تبيّن بما ذكرناه معنى الاصطلاح مجملا ، وحيث إنّه الغرض تعريف إحدى المؤلفات في هذا السياق ، فلذلك نضطرّ إلى توضيح موجز حول هذا العلم وغرضه المطلوب : كل باحث عن معرفة الكون مضطرّ إلى الإجابة عن مسائل ثلاث : 1 - ما هو الكيان الوجودي ؟ 2 - ما هو الإنسان ؟