علي بن محمد التركه
تقديم 37
شرح فصوص الحكم
العلم معترفين في كافّة مؤلفاتهم أنّ فهم هذه المطالب لا يتيسّر إلا بالذوق ولا سبيل إلى إثباتها بالبرهان ، وأنّه ليس لهم مع غيرهم من الخواصّ والعوام مناقشة ولا كلام . قال القيصري في مقدمة شرحه على الفصوص « 1 » : « إذ لا يستفيد بهذا النوع من العلم إلا من تنوّر باطنه بالفهم ، وجانب طريق الجدل ، ونظر بنظر من أنصف وعدل ، وانعزل عن شبهات الوهم الموقع في الخطاء والخلل ، وطهّر الباطن عن دنس الأغيار ، وتوجّه إلى الله الواحد القهّار . . . وعلم قصور العقل عن إدراك أسرار العزيز الحكيم فإنّ أهل الله إنما وجدوا هذه المعاني بالكشف واليقين - لا بالظنّ والتخمين - وما ذكر فيه مما يشبه الدليل والبرهان ، إنما جيء به تنبيها للمستعدّين من الإخوان ، إذ الدليل لا يزيد فيه إلا خفاء ، والبرهان لا يوجب عليه إلا جفاء . . . » . ولا شكّ أنّ صاحب هذا الكلام لا يتمكَّن من عرض مطالبه في المجالات العلميّة ، وكان ذلك معضل العرفان النظري فبدأ بعض المفكَّرين - وفي طليعتهم جدّ صائن الدين الخواجة أفضل الدين محمد تركه - كما هو ظاهر من كتابه قواعد التوحيد ، وبتبعه صائن الدين في شرحه لهذا الكتاب - بدؤا في الفحص عن مبادئ يمكن - بناء عليها - التبرهن على هذه المسائل حتّى يتمكَّن من عرضها على غير السالكين ، ليكون مشوّقا لهم على الاعتناء بشأن السلوك أولا ، ثمّ إبراز منهج آليّ يمكن التمييز به بين الصحيح من المعارف الكشفيّة والتخيّلات الباطلة . وتمهيدا للبحث ردّ أفضل الدين أوّلا على من يدعي أن العقل لا طريق له إلى الطور الذي فوقه ، فقال « 2 » : « ولا نسلم أنّ العقل لا يدرك كلّ ما يدرك في الطور الذي هو فوق العقل نعم ، إنّ من الأشياء الخفيّة ما لا يصل إليه العقل ، ولا يدرك إلا بقوّة أخرى هي أشرف منه وأما الأشياء الباقية ، فكلّ ما يدرك بتلك القوّة ، يدرك أيضا بالعقل . على أنّا نقول : إنّ كلّ ما يدرك معنى كليّا أو حقيقة كليّة ، يصدق عليه حدّ العقل
--> « 1 » شرح القيصري : 7 . « 2 » تمهيد القواعد : 248 .