علي بن محمد التركه
تقديم 12
شرح فصوص الحكم
ولكن قد يؤول الأمر إلى التأويل « 1 » ، والتأويل على أنحاء ودرجات تشترك جميعها في أنّ السامع بعد ما فهم معنى اللفظ ، يأخذ في التدبّر ، ويرجع إلى الأصل الموجب لصدور هذا المعنى ، ويستنبط منه ومن لوازمه وعلله الموجبة معاني أخر لم يصرّح بها في الكلام ، فيكون نطاق المعنى المفهوم أوسع وأشمل مما كان يفهم من صريح اللفظ ، وذلك شائع سائغ في المحاورات ومن مصاديق التدبّر المأمور به في القرآن الكريم . والرابطة المبرّرة للتأويل قد تكون واضحة ، كما في تأويل الماء بالعلم ، فإن كان بالماء حياة الأبدان فبالعلم أيضا حياة النفوس والأرواح . وقد تكون الرابطة غير واضحة على عامة الناس - وحتى على أكثر الخواص - فمثل هذا التأويل متى صدر عن المعصوم لا نشكّ في صحّته نظرا إلى عصمة محل الصدور ، وأمّا إذا كان المؤوّل غير معصوم ، فاحتمال الصحّة متوقّف على مطابقته مع الوحي الصريح ، أو البرهان الصحيح . والقارئ المتأمّل يجد عديدا من التأويلات التي لا مبرّر لها في الكتاب يخرجنا النقاش فيها عن نطاق المقدّمة ، ولكن نذكر نموذجا من أبرز ذلك ليكون مثالا لبقية الحوار . وذلك ما جاء في الفص النوحي ، فإن الفصّ بكامله تأويل سورة نوح ، وملخّص القول فيه أن التنزيه الصرف والتشبيه الصرف في حقّه تعالى باطل ، والحقّ هو التنزيه في عين التشبيه والتشبيه في عين التنزيه ، وقوم نوح لما كان ميلهم الجبليّ إلى التشبيه ، صار نوح مأمورا بدعوتهم إلى التنزيه ، وكان ذلك سبب عدم إجابة القوم « ولو أنّ نوحا عليه السّلام جمع لقومه بين الدعوتين لأجابوه . . . « 2 » » غير أن تلك الدعوة من خصائص النبي الخاتم صلَّى الله عليه وسلَّم . ثم أخذ في تأويل السورة بما يستنكر بكامله . ففيه أولا : إن الخلاف بين عبّاد الآلهة والأنبياء - بما فيهم نبيّنا صلَّى الله عليه وسلَّم - لم يكن في
--> « 1 » المراد من التأويل استنباط معنى من الآية لا يدل عليه صريح معنى اللفظ ، ولسنا هنا بصدد تحقيق أن هذا هو المقصود من كلمة التأويل في الكتاب والسنة أو لا ؟ « 2 » متن الكتاب : الفص النوحي .