محمد داوود قيصري رومي
790
شرح فصوص الحكم
المعنى ، تسرت ( الهوية ) في صور الموجودات ، فأظهرها . وفي القيامة الكبرى يجعل تلك الصورة مستورة ، ويظهر الحق بذاته ويقول : ( لمن الملك اليوم لله الواحد القهار ) . ثم يتجلى بالكثرة المشهودة في الدار الآخرة أيضا ، جلت قدرته . ( كما أن الهيولى تؤخذ في حد كل صورة . وهي ، مع كثرة الصور واختلافها ، ترجع في الحقيقة إلى جوهر واحد ، وهو هيولاها . ) المراد ب ( الهيولى ) هنا هو الهيولى الكلية التي تقبل صور جميع الموجودات الروحانية والجسمانية . وهو الجوهر كما بينه في كتابه المسمى بإنشاء الدوائر . ومعناه : أن الكثرة مشهودة في عين واحدة ، وتلك العين الواحدة معقولة فيها ، كما أن صور الموجودات كلها مشهودة في عين الهيولى ، والهيولي معقولة فيها ، لذلك تؤخذ في تعريف كل من الموجودات . كما أنك تقول العقل هو جوهر مجرد مدرك للكليات غير متعلق بجسم ، والنفس الناطقة جوهر مجرد مدرك للكليات والجزئيات ، وله تعلق التدبير والتصرف بالجسم ، والجسم جوهر قابل للأبعاد الثلاثة ، فيؤخذ ( الجوهر ) في تعريفاتها . وهو في الحقيقة واحد والصور كثيرة مختلفة . والغرض التنبيه لأرباب النظر ، لئلا تشمئز عقولهم عما يقوله أهل الله في التوحيد . ( فمن عرف نفسه بهذه المعرفة ، فقد عرف ربه . ) أي ، فمن عرف أن حقيقته هي حقيقة الحق ، وهي التي تفصلت وظهرت بصور الموجودات بحسب مراتبها وظهوراتها - كما بينا في المقدمات - ، هو الذي عرف ربه . ( فإنه على صورته خلقه ، بل هو عين حقيقته وهويته . ) أي ، فإن الإنسان مخلوق على صورة ربه ، كما جاء في الحديث الصحيح : ( إن الله خلق آدم على صورته ) . وفي رواية : ( على صورة الرحمان ) . والمراد ب ( الصورة ) الأسماء والصفات الإلهية . أي ، خلقه موصوفا بجميع تلك الأسماء والصفات ، بل هويته التي اختفت وحقيقته التي تسترت في الحقيقة الإنسانية ، فأظهرت الإنسان ، فهويته عين هوية الحق ، وحقيقته عين الحقيقة الإلهية . وهو اسمه الأعظم الجامع لحقائق الأسماء كلها .