محمد داوود قيصري رومي
783
شرح فصوص الحكم
للحقائق مجردة عن الصور الحسية . وكل منها بعين نفسه أو ربه . والمراد هنا كلا المعنيين : الحضور ، والرؤية في عالم الخيال . أما الحضور ، فإنه لو لم يكن حاضرا أو مراقبا ، لا يحصل له الرؤية المثالية . فالذي يلقى سمعه ، يكون مشاهدا للأشياء في حضرة الخيال ، ويكون مؤمنا لما في باقي الحضرات . لذلك قال : ( ينبه على حضرة الخيال واستعمالها . ) أي ، الحق ينبه بهذا القول على حضرة الخيال ، إذ أول ما ينكشف للمؤمن حضرة الخيال ، وهو المثال المقيد ، ثم يسرى إلى المثال المطلق الذي هو عالم الأرواح . كما مر بيانه . وكذلك ينبه على الوصول إلى هذا المقام ، وهو المراد بقوله : ( واستعمالها ) . أي ، واستعمال الحضرة الخيالية . وهي القوة التي فيها تظهر الصور الخيالية ، واستعمالها إنما يكون بالتجرد التام والتوجه الكلى بالقلب إلى العالم العلوي ، من غير اتباع العقل واستعمال للمفكرة . فإنه كما يتحرك ، ينفتح له طريق الفكر وينسد عليه باب الكشف ، بل يتوجه توجها تاما عند تسكين المفكرة عن حركاتها بالذكر . ( وهو قوله ، عليه السلام ، في الإحسان : ( أن تعبد الله كأنك تراه . والله في قبلة المصلى ) . فلذلك هو شهيد . ) ( هو ) عائد إلى ( الاستعمال ) . أو ( الشهود ) . أي ، ذلك الاستعمال ، أو الشهود ، كقوله ، عليه السلام ، في الإحسان : ( أن تعبد الله كأنك تراه ) . أي ، بمراقبة تامة وتوجه كلي ، كأنك مشاهد للحق ، لأن مثل هذه المراقبة تفتح أبواب الغيوب ، فتحصل هذه الرؤية العيانية ، فيرتفع حكم ، كأن الذي كان يقوم مقام المشاهدة . وقوله : ( والله في قبلة المصلى ) هذا أيضا حديث آخر صحيح ، فإن كان المصلى ممن تكحل عينه بنور الحق واحتد بصره ، فيراه رؤية العين ، وإلا فينبغي أن يراقب بجمعية تامة ، ليكون كأنه يراه . وقوله : ( فلذلك هو شهيد . ) أي ، فلكون الحق في قبلة المصلى بصلاة الحضور والمراقبة ، هو شهيد للحق ، مشاهدا لوجهه الكريم في قبلته . ومن يكمل استعداده ويقوى كشفه ، شاهد الحق في جميع الجهات ، فإنه فيها كلها ، كما قال : ( أينما تولوا فثم وجه الله ) .