محمد داوود قيصري رومي

706

شرح فصوص الحكم

إلى بعض ) . أي ، ما أوجد الحق الظلال المحسوسة ساجدة على الأرض متفيئة - أي راجعة عن الشمال واليمين - إلا دلائل لك ، لتستدل بها على حقيقتك وعينك الثابتة ، لأن عينك الخارجية ظل لها ، وحقيقتك ظل الله ، فيستدل بها عليه ، فتعرف إنك ظل الظل الحق . ويتيقن أن نسبتك إليه بالظلية ، والظل مفتقر إلى شخصه ، فتعلم منه افتقارك إلى الله . ونسبته إليك نسبة الشخص إلى الظل ، والشخص مستغن عن ظله ، فتعلم منه غناه الذاتي . فإذا علمت هذا ، علمت أن العالم من أي جهة اتصف بالافتقار إلى الحق ، ومن أي جهة هو عين الحق . ولما كان العالم مفتقرا إلى الله في وجوده وذاته وكمالاته مطلقا - وصفه بالفقر الكلى والافتقار بعض العالم إلى البعض كافتقار المسببات إلى الوسائط والأسباب وافتقار الكل إلى الأجزاء افتقار المفتقر إليه من وجه إلى المفتقر - قال : ( وبالفقر النسبي بافتقار بعضه إلى بعض ) . ( حتى تعلم من أين ومن أي حقيقة اتصف الحق بالغنى عن الناس والغنى عن العالمين ) . الحقيقة التي اتصف منها الحق بالغنى عن الناس ، ليست غير ذاته تعالى ، فهو غنى بذاته عن العالمين . والحقيقة التي اتصف منها العالم يغنى بعضه عن بعض ، هو كون كل من أهل العالم عبدا لله محتاجا إليه في ذاته وكمالاته ، والعبد لا يملك شيئا ، فلا يحتاج إلى غيره ، بل كلهم يحتاجون إلى الحق . فاستغنى بعضهم عن بعض من هذه الحيثية ، مع أن كلا منهم مفتقر إلى الآخر . فإن العالم مفتقر إلى الأسباب بلا شك افتقارا ذاتيا ، وإليه أشار بقوله : ( واتصف العالم بالغنى ، أي ، بغنى بعضه عن بعض من وجه ما هو عين ما افتقر إلى بعضه به ) . ( ما ) في الموضعين بمعنى ( الذي ) . و ( به ) عائد إلى ( الوجه ) . أي ، اتصف بعض العالم بالغنى عن بعضه من الوجه الذي افتقر ذلك البعض إلى بعض آخر بسبب ذلك الوجه . والمقصود أن وجه الغنى هو بعينه وجه الافتقار . وذلك لأن الوجه الذي افتقر به بعض العالم إلى بعض ، هو وجه عبودية ذلك البعض المفتقر إلى ربوبية الآخر . والوجه الذي غناه به عن بعض آخر ، هو أيضا عبودية ، لأن وجه العبودية ظل ، والظل لا يحتاج إلى الظل . غاية ما في الباب ، أن متعلق الغنى هو عبودية من هو مستغن عنه وظليته ، ومتعلق الافتقار ربوبيته . فاتحاد