محمد داوود قيصري رومي
614
شرح فصوص الحكم
جميع ما يحتاج إليه ، كما قال تعالى : ( أعطى كل شئ خلقه ثم هدى ) . ولا ترقى له إلى غير ما تعين له من الكمال . ولما كان جميع الموجودات حيا عالما بربه عند أهل الكشف والشهود ، قال : ( فالكل عارف بخلاقه ) . وقوله : ( كشفا ) أي ، الكل يعرفون ربهم بالكشف الصحيح الحاصل لروحانيتهم عند الفطرة الأولى . أو : نحن علمناه كشفا ، ولما كان الكشف حجة لصاحبه دون غيره ، قال : ( وإيضاح برهان ) . أي ، علمناه برهانا صريحا أيضا . والمراد ب ( البرهان ) ما يعطيه العقل المنور والشرع المطهر من الأدلة : منها قوله : ( سبح لله ما في السماوات وما في الأرض ) . وقوله : ( وإن من شئ إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم ) . و ( التسبيح ) لا يكون إلا بعد المعرفة بأن له ربا يربه صاحب كمالات منزها عن النقائص الكونية . فنبه بعرفانهم وبعدم عرفان الثقلين ، لأن الخطاب للأمة وهو ، صلى الله عليه وسلم ، مبعوث إليهما ، فالجن أيضا داخل في قوله : ( ولكن لا تفقهون تسبيحهم ) . وأيضا الجن لا مدخل لهم في غيوب الموجودات لاحتجابهم عن الحقائق ، كما قال : ( فلما خر تبينت الجن أن لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا في العذاب المهين ) . ومنها ما رواه البخاري عن أبي سعيد الخدري ، قال : ( كان النبي ، صلى الله عليه وسلم ، يقول : إذا وضعت الجنازة ، فاحتملها الرجال على أعناقهم ، فإن كانت صالحة ، قالت : قدموني ، قدموني . وإن كانت غير صالحة ، قالت لأهلها : يا ويلها ، إلى أين تذهبون بها . يسمع صوتها كل شئ إلا الإنسان ، ولو سمع الإنسان لصعق ) . وروى الترمذي عن أبي أمامة : ( أن رسول الله قال : فضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم ) . ثم ، قال رسول الله ، صلى الله عليه وسلم : ( إن الله وملائكته وأهل السماوات والأرض ، حتى النملة في جحرها وحتى الحوت في الماء ، ليصلون على معلم الناس ) . وروى أبو داود والترمذي في باب فضيلة العلم عن أبي الدرداء في حديث طويل : ( وأن العالم ليستغفر له من في السماوات ومن في الأرض حتى الحيتان في الماء ) . وعن سهل بن سعد ( رض ) قال : ( قال رسول الله ، صلى الله عليه وسلم : ما من مسلم يلبى إلا لبى من عن يمينه وشماله من حجر أو شجر أو مدر حتى ينقطع