محمد داوود قيصري رومي
599
شرح فصوص الحكم
صلى الله عليه وسلم ، عن الله : ( قد مثلوني بين أعينهم ) . أي ، أوجدوا لي مثالا رأى أعينهم . وهذا كما قال : ( أن تعبد الله كأنك تراه . . . ) . والأول أنسب للمقام . ( وحقق في مقصده ) أي ، يحقق في مقصوده ومطلوبه ، وهو العبادة والمعرفة ، كما قال : ( وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ) . فيجوز أن يكون الكلام من لسان الكمل ، إذ بهم تظهر الصفات كلها . ويجوز أن يكون المراد نفسه ، لأنه كشف عن أسراره كشفا ما أتى أحد من الأولياء بمثله . وفيه إيماء حينئذ إلى مقام ختميته للولاية المحمدية . وبعد هذا الكشف الكلى لم يبق إلا كشف خاتم الولاية المطلقة ، إذ به تتم الدائرة ، فتقوم بعده القيامة . ( ولما كان للخليل ، عليه السلام ، هذه المرتبة التي بها سمى خليلا ، لذلك سن القرى وجعله ابن مسرة الجبلي مع ميكائيل للأرزاق ، وبالأرزاق يكون تغذى المرزوقين . فإذا تخلل الرزق ذات المرزوقين ، بحيث لا يبقى فيه شئ إلا تخلله ، فإن الغذاء يسرى في جميع أجزاء المغتذى كلها ، وما هناك أجزاء . فلا بد أن يتخلل جميع المقامات الإلهية المعبر عنها كلها بالأسماء ، فتظهر بها ذاته ، جل وعلا ) . جواب ( لما ) قوله : ( سن القرى ) . وقوله : ( لذلك ) متعلق ب ( سن ) . أي ، لما كان للخليل ، عليه السلام ، مرتبة العرفان وشهود الخلق في الأعيان والتخلل بنور ربه في أسمائه ومظاهره التي هي الأكوان ، سن القرى لذلك ، وهو إعطاء الرزق للمرزوقين . ولذلك جعله الشيخ المحقق ، ابن مسرة الجبلي ، رضي الله عنه ، مع ميكائيل ، عليه السلام ، في إيصال الأرزاق . قال في فتوحاته ، في الباب الثالث عشر ( 26 ) : ( روينا عن عون ابن مسرة الجبلي ، من أكبر أهل الطريق علما وحالا وكشفا : العرش المحمول هو الملك ، وهو محصور في جسم وروح وغذاء ومرتبة . . . ) فآدم وإسرافيل للصور ، وجبرئيل ومحمد للأرواح ، و
--> ( 26 ) - الفتوحات المكية ، ط جديد ، 1392 ه - ق ، ج 2 ، ص 348 .