محمد داوود قيصري رومي

535

شرح فصوص الحكم

يصيروا في باطنها ) أي ، دعا على أممه كلهم ، العامة منهم والخاصة ، بدعاء واحد يشملهم ليعطى الحق كلا منهم حقه ، لأن الكافرين منهم من عرف الله وستره ، ومنهم من أنكره وجحد ، فاختلف وجوههم ، ولما كان الأمر كذلك ، دعا عليهم بدعاء واحد يستر الخواص منهم ، كما ستروا الحق عن أعين الأغيار ، جزاء لهم ، ويستر العوام المنكرين بالإفناء في وجوده وصفاته ، ليتيقنوا الإلهية ويقروا بوحدانيته . ( ( من الكافرين ) الذين ( استغشوا ثيابهم ) . ) أي ، لا تذر على الأرض من الكافرين الذين ستروا بوجوداتهم وجود الحق وبصفاتهم صفاته وبأفعالهم أفعاله . ( ( وجعلوا أصابعهم في آذانهم ) ) وما قبلوا كلام الأنبياء ودعوتهم . ( طلبا للستر ) أي ، لأجل طلبهم منه ستر وجوداتهم وإفناء ذواتهم في وجوده وذاته ، لتبقوا بالبقاء الأبدي . ( لأنه ( دعاهم ليغفر لهم ) والغفر ، الستر ) . تعليل لقوله : ( طلبا للستر ) . ( ديارا ) أحدا حتى تعم المنفعة كما عمت الدعوة ) . تتمة من الآية . أي ، لا تذر أحدا في دياره ، ودياره أنانيته ووجوده وما يصير به هو هو ، حتى تعم المنفعة على أنواع الكافرين والساترين وجه الحق ووجوده بوجوههم ، ووجودهم ليكون لكل منهم نصيب ، ولا يحرم أحد منها ، كما عمت الدعوة عليهم . ( ( إنك ) إن ( تذرهم ) أي ، تدعهم وتتركهم ( يضلوا عبادك ) أي ، يحيروهم فيخرجوهم من العبودية إلى ما فيهم من أسرار الربوبية ) . أي ، إن تذرهم على حالهم يضلوا عبادك ويحيروهم فيك وفي ظهوراتك ، فيخرجوهم من مقام عبوديتهم بإظهار أسرار الربوبية لهم ، كما ظهر لنفوسهم ، فيظهرون بالإنانية ويتفرعنوا بظهورهم بأنفسهم . ( فينظرون أنفسهم أربابا بعد ما كانوا عند نفوسهم عبيدا ) فيدعون الألوهية ، ويظهرون بالربوبية لغلبة مقام الوحدة عليهم وهم عبيد بالنسبة إلى تعيناتهم . ولا يجوز للعبد دعوى الربوبية مطلقا ، لذلك يظهر شرف نبينا ، صلى الله عليه وسلم ، بقوله : ( وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ) . وقال عيسى : ( إني عبد الله آتاني الكتاب والحكم والنبوة ) . قال الشيخ ( رض ) : ( الا تدعني إلا ب‍ " يا عبدها " ، فإنه أشرف أسمائي ) . ( فهم العبيد الأرباب ) أي ، فهم حينئذ