محمد داوود قيصري رومي

518

شرح فصوص الحكم

( ونوح دعا قومه ليلا من حيث عقولهم وروحانيتهم ، فإنها غيب ، ونهارا دعاهم أيضا ، من حيث صورتهم وحسهم ) وفي بعض النسخ : ( وجثثهم ) جمع ( الجثة ) . أي ، أبدانهم . ومعناه : تارة دعاهم من حيث عقولهم المعطية للتنزيه إلى مقام التنزيه ، وأخرى من حيث صورهم الموجبة للتشبيه إلى مقام التشبيه . ( وما جمع في الدعوة بينهما مثل ( ليس كمثله ) فنفرت بواطنهم لهذا الفرقان فزادهم فرارا ) . معناه ظاهر ، وقد مر تقريره أيضا . ( ثم قال ، عن نفسه إنه دعاهم ليغفر لهم لا ليكشف لهم ، وفهموا ذلك منه ، صلى الله عليه وسلم ، لذلك جعلوا أصابعهم في آذانهم واستغشوا ثيابهم ، وهذه كلها صورة الستر التي دعاهم إليها ، فأجابوا دعوته بالفعل لا بلبيك ) . أي ، أخبر عن نفسه كما قال : ( إني دعوتهم لتغفر لهم ) . فدعاهم ليغفر لهم الحق ، وما دعاهم ليكشف لهم حقيقة الأمر ، والمغفرة ، الستر والإخفاء . فلما فهموا مقصوده ، أجابوا دعوته بمثل ما دعاهم به من الستر ، فجعلوا أصابعهم في آذانهم ، أي ، ما قبلوا دعوته بالسمع والإطاعة بالقول . واستغشوا ثيابهم ، أي ، طلبوا الاستتار بثياب وجوداتهم وحجب إنياتهم واستتار صفاتهم ، لتظهر غيرة الحق فتفنيهم عن وجوداتهم ويستر في ذاته لذواتهم ، واستتروا بالثياب المعهودة لقصور فهمهم عما أشار إليه نوح ، أو الاستهزاء به مع فهمهم المقصود . ( ففي ( ليس كمثله شئ ) إثبات المثل ونفيه . وبهذا قال عن نفسه ، صلى الله عليه وسلم ، أنه أوتى جوامع الكلم ) . ( أنه ) بفتح الهمزة ، إذ قال عن نفسه . معناه : أخبر عن نفسه . ( فما دعا محمد ، صلى الله عليه وسلم ، قومه ليلا ونهارا ، بل دعاهم ليلا في نهار ونهارا في ليل ) . أي ، جمع الله للنبي ، صلى الله عليه وسلم ، في قوله : ( ليس كمثله شئ ) بين الإثبات للمثل وبين نفيه في آية واحدة ، بل في نصف آية . و ( بهذا ) أي ، بسبب هذا الجمع بين التشبيه والتنزيه ، كما قال صلى الله عليه وسلم : ( أوتيت جوامع الكلم ، أي ، جميع الحقائق والمعارف . ولهذا جمع القرآن جميع ما أنزل من المعاني التي في كتب الأنبياء ، عليهم السلام . فدعا ، صلى الله