محمد داوود قيصري رومي
516
شرح فصوص الحكم
الفرقان ، أي بين الحق والخلق الذي هو المظاهر ، أو بين التشبيه والتنزيه . والكمال التام القرآن ، أي الجمع بينهما ، لأنه مأخوذ من ( القرء ) وهو الجمع . وليس ذلك مقامه ، وإلا كان الواجب عليه أن يأتي بالقرآن الجامع بين التشبيه والتنزيه ليؤمنوا به وبربه ، إذ السعي والاجتهاد على الأنبياء ، بكلما يقدرونه ، واجب عليهم . ويجوز أن يكون ( علم ) بتشديد اللام ، من ( التعليم ) عطفا على ( أشار ) . أي ، أشار بهذا القول : وعلم العلماء أنهم إنما لم يجيبوا دعوته لإتيانه بالفرقان . ( ومن أقيم في القرآن لا يصغى إلى الفرقان ) أي ، ومن أقيم في مقام الجمع بين التشبيه والتنزيه ، كنبينا محمد صلى الله عليه وسلم ، لا يصغى إلى قول من يقول بالفرقان المحض كالمنزه وحده ، كنوح عليه السلام ، والمشبه وحده ، كقومه . فمن يكون قائلا بالشق الآخر من الفرقان ، وهو التشبيه ، فهو بالطريق الأولى أن لا يصغى إلى قول من يقول بالتنزيه المحض فقط . ومن أقيم في مقام الجمع الذي هو حق بلا خلق ، كالمجذوبين والموحدين الصرفة ، لا يقدر على إصغاء مرتبة الفرق بين الحق والخلق وبين التنزيه والتشبيه ، كما يقدر على إصغائه الكامل ، فإنه يرى الخلق في مقامه ، والحق في مقامه ، ويجمع بينهما في كل من المقامين ، كذلك في التشبيه والتنزيه . ( وإن كان فيه ، فإن القرآن يتضمن الفرقان والفرقان لا يتضمن القرآن ) . ( إن ) للمبالغة . أي ، وإن كان الفرقان حاصلا في القرآن . فإن القرآن لكونه مقام الجمع يتضمن الفرقان ، وهو مقام التفصيل ، فيجمع صاحبه بينهما . فما يحكم عليه الفرقان ، من التشبيه والتنزيه ، أجزاء لمقام القرآن دون العكس . ويجوز أن يعود ضمير ( كان ) إلى ( من ) . أي ، وإن كان من أقيم في القرآن ومقام الجمع هو في حين الفرقان ، لأنه محجوب بالحق عن الخلق ، وبالجمع عن الفرق ، ( ولهذا ما اختص بالقرآن إلا محمد ، صلى الله عليه وسلم ، وهذه الأمة التي