محمد داوود قيصري رومي
514
شرح فصوص الحكم
دعاهم إسرارا ، ثم قال لهم : ( استغفروا ربكم إنه كان غفارا ) . وقال : ( دعوت قومي ليلا ونهارا ، فلم يزدهم دعائي إلا فرارا ) . ولما كانت هذه الحكمة في كلمة نوح ومرتبته ، قال : إنه ، عليه السلام ، لو كان يجمع بين الدعوتين ، أي لو كان يجمع في دعوته بين التشبيه والتنزيه كما جمع في القرآن بينهما ، لأجابوه ، لأنه لو أتى بالتشبيه ، لحصلت المناسبة بينه وبينهم من حيث التشبيه ، إذ كانوا مثبتين لأصنامهم الصفات الكمالية ، لذلك قالوا : ( وما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى ) . فجعلوهم من المقربين عند الله والمقربين لغيرهم ، وأثبتوا لهم الشفاعة كما قالوا : ( هؤلاء شفعاؤنا عند الله ) . والتقرب من الله والشفاعة عنده لا يكون إلا لمن له الصفات الكمالية . فلو أتى بالتشبيه لصدقوه وقبلوا كلامه أيضا في التنزيه . ولكن دعاهم جهارا ، أي ، ظاهرا إلى الظاهر المطلق من حيث صورهم وظواهرهم ليعبدوا الله بظواهرهم بالعبادات البدنية والإتيان بالأعمال الحسية . ثم دعاهم إسرارا ، أي ، باطنا إلى الباطن المطلق من حيث عقولهم وروحانيتهم ليعبدوا الباطن المطلق عبادة الملأ الأعلى والملائكة المقربين . فلما لم يقبلوا دعوته ، لرسوخ المحبة للمظاهر الجزئية التي هي معبوداتهم في قلوبهم وبواطنهم ، قال : ( استغفروا ربكم إنه كان غفارا ) . أي ، أطلبوا منه سر وجوداتكم وذواتكم وصفاتكم بوجوده وذاته وصفاته . فنفرت بواطنهم منه ، لأن الأنفس مجبولة على محبة أعيانها ، أو لعدم قدرتهم بأنفسهم على ذلك . فلما رأى النفور عنهم ، قال : ( إني دعوت قومي ليلا ونهارا ) . أي ، في العلانية . أو ليلا ، في الباطن والغيب