محمد داوود قيصري رومي

505

شرح فصوص الحكم

عليها دائما . ( ولذلك ربط النبي ، صلى الله عليه وسلم ، معرفة الحق بمعرفة النفس فقال : ( من عرف نفسه فقد عرف ربه ) . ) أي ، ولكون النفس الإنسانية مشتملة على جميع المراتب الكونية والإلهية ، والحق أيضا مشتمل عليها بحسب ظهوراته فيها ، وما يعرف العارف نفسه غالبا إلا مجملا كما لا يعلم مراتب ربه إلا مجملا ، ربط النبي ، صلى الله عليه وسلم ، معرفة الرب بمعرفة النفس . ( وقال تعالى : ( سنريهم آياتنا في الآفاق ) وهو ما خرج عنك ( وفي أنفسهم ) وهو عينك ( حتى يتبين لهم ) أي ، للناظرين لهم ( أنه الحق ) من حيث إنك صورته ، وهو روحك ) . استشهاد بالكلام المجيد وتأكيد لهذه الرابطة . فإن إرائة الآيات في الآفاق ، أي في الأكوان ، ليست إلا ظهور الحق وتجلياته في حقائق الأكوان ، وكل منها دال على مرتبة معينة وحقيقة خاصة إلهية ، كما أن إرائة الآيات في الأنفس إنما هي ظهوره وتجلياته فيها بحسب مراتبها ، والعالم كله مظهر الحق ، فالنفس الإنسانية أيضا كذلك ، فالعارف لنفسه عارف لربه . ولما كان ما اشتمل عليه النفس الإنسانية في العالم الكبير موجودا مفصلا يسهل إدراكه ، قال تعالى : ( سنريهم آياتنا في الآفاق ) أولا ، ثم أردفه بقوله : ( وفي أنفسهم ) أي ، أعيانهم وذواتهم ( حتى يتبين ) للناظرين فيهما ( أنه الحق ) الذي ظهر فيها وتجلى لهما رحمة على أعيانهما ، فأوجد هما بوجوده وأظهرهما بنوره وأعطاهما آيات دالة على حقيقته ووحدته . والضمير في قوله : ( وهو ما خرج ) عائد إلى ( الآفاق ) . ذكره تغليبا للخبر وهو ( ما ) وضمير ( وهو عينك ) عائد إلى ( أنفسهم ) . ذكره اعتبارا للمعنى ، وإرادة فرد من أفرادها ، كأنه قال : وهو أنت . ولما كان نفس الشئ عبارة عن عينه وذاته ، قال : ( وهو عينك ) . والضمير في ( أنه الحق ) لله . أي ، حتى يتبين لهم أن الله هو الحق الثابت في الآفاق وفي الأنفس . لكنه ساق الكلام بحيث يرجع ضمير ( إنه ) إلى ( العين ) ، أي ، حتى يتبين للناظرين أن عينك هو الحق من حيث إنك مظهره وصورته ، فالحق روحك من حيث إنه يربك ويدبرك . فذكره أيضا لتغليب الخبر وهو ( الحق ) . ( * )