محمد داوود قيصري رومي

503

شرح فصوص الحكم

العالم صورته ومظهر هويته ، فإنه حينئذ يشاهده في جميع المظاهر ، كما قال أبو يزيد ، قدس الله سره : ( الآن ، ثلثين سنة ما أتكلم إلا مع الله ، والناس يزعمون إني معهم أتكلم ) . واعلم ، أن هذا الفهم إنما هو بحسب الظهور والتجلي لا بحسب الحقيقة ، فإن حقيقته وذاته لا يدرك أبدا ولا يمكن الإحاطة عليها سرمدا . ولا بحسب مجموع التفصيل أيضا ، فإن مظاهر الحق مفصلا غير متناهية وإن كانت بحسب مجموع الأمهات متناهية . ( وهو الاسم الظاهر ، كما أنه بالمعنى روح ما ظهر ، فهو الباطن ) . أي ، العالم ، بأسره ، عبارة عن اسمه ( الظاهر ) ، كما أن الحق من حيث المعنى والحقيقة روح العالم . وهذا الروح هو عبارة عن اسمه ( الباطن ) . واعلم ، أن الاسم ( الظاهر ) اقتضى ظهور العالم ، و ( الباطن ) اقتضى بطون حقائقه . والمقتضى وهو إن كان باعتبار غير المقتضى ، لكون الربوبية غير المربوبية ، لكنه باعتبار آخر عينه وهو أحدية حقيقة الحقائق ، لذلك جعل العالم عين الاسم الظاهر وروحه عين الاسم الباطن . ( فنسبته لما ظهر من صور العالم نسبة الروح المدبر للصورة ) . أي ، إذا كان العالم صورة الحق وهو روحه ، فنسبة الحق إلى كل ما ظهر من صور العالم نسبة الروح الجزئي المدبر للصورة المعينة إليها في كونه مدبرا ، كما قال : ( يدبر الأمر من السماء إلى الأرض ) . و ( اللام ) في ( لما ظهر ) بمعنى ( إلى ) . وقوله : ( للصورة ) متعلق ب‍ ( المدبر ) . وصلة ( النسبة ) محذوفة ، أي إلى الصورة . ( فيؤخذ في حد الإنسان ، مثلا ، باطنه وظاهره وكذلك كل محدود ) . ( الفاء ) للسببية . ولما كان ظاهر العالم ظاهر الحق وباطنه باطن الحق ، والباطن مأخوذ في تعريف الإنسان وتحديده لأنه معرف بالحيوان الناطق ، والناطق باطنه والحيوان ظاهره . أو الهيئة الاجتماعية الحاصلة من الجنس والفصل ظاهره الذي به سر الأحدية فيه وحقائقهما المشتركة والمميزة باطنه ، فالحق مأخوذ في حده وكذلك في كل محدود ، إذ لا بد في كل من المحدودات من أمر عام مشترك وأمر خاص مميز ، وكلاهما ينتهيان إلى الحق الذي هو باطن كل شئ .