محمد داوود قيصري رومي
479
شرح فصوص الحكم
في صورة النطفة الملقاة في الرحم ، وإليه عاد بصيرورته إنسانا داخلا في حده وحقيقته . وفيه إشارة إلى أن آدم أيضا سر الحق ، لأنه منه ظهوره وإليه عوده ، لذلك قال كاشف الأسرار الإلهية ، خاتم الولاية الكلية : ( إني ذاهب إلى أبى وأبيكم السماوي ) . فأطلق اسم ( الأب ) على الحق في الحقيقة ، وإن كان ظاهرا مطلقا على ( روح القدس ) . ( فما أتاه غريب لمن عقل عن الله ) بالعين المهملة والقاف بعدها . وفي بعض النسخ بالغين المعجمة والفاء بعدها . فعلى الأول ( ما ) للنفي . أي ، ما أتاه غريب ، بل هو من عينه لا من خارج عنه . ( لمن عقل عن الله ) أي ، فهم وأدرك الحقائق من الله . وعلى الثاني بمعنى ( الذي ) . أي ، فالذي أتاه غريب لمن يكون غافلا عن الله وأفعاله وأسراره . والأول أصح . وقوله ( عن الله ) يجوز أن يتعلق بقوله : ( غريب ) أي ، فما أتاه غريب من الله ، بل أتاه من عينه عند من عقل عينه وعرف استعداده . ويؤيد هذا المعنى قوله : ( فما في أحد من الله شئ ، ولا في أحد من سوى نفسه شئ ) فمن عرف أن الله لا يوجد شيئا إلا على ما يعطيه عين ذلك الشئ ، فلا يستغرب ذلك . ويقال : أتاه وأتى به وأتى عليه . كما يقال : جاءه وجاء به وجاء عليه . قال الله تعالى : ( هل أتيك حديث الغاشية ) . ( وكل عطاء في الكون على هذا المجرى ) أي ، جميع العطايا التي تنزل من الحضرة الإلهية على أيدي الأسماء على أرواح الكمل ، ومنها على ما تحتها من أرواح العباد ، ليس إلا منهم وإليهم ، فإن أعيانهم الثابتة اقتضت ذلك بحسب قابليتهم ، والحق تعالى يوجد ما هي قابلة له . ( فما في أحد من الله شئ ولا في أحد من سوى نفسه شئ . وإن تنوعت عليه الصور ) أي ، إذا كان الأمر بحسب قابليتهم ، فما في أحد من الله شئ سوى الوجود ، ولا في أحد من سوى نفسه شئ ، فإن كل ما يظهر على أحد ، فهو اقتضاء عينه ، والحق يعطى الوجود بحسبه ، وإن كانت الصور الفائضة على ذلك الشئ الظاهر متنوعة ، وذلك التنوع أيضا راجع إلى الأعيان . والمراد هاهنا ، ما يترتب على الفيض المقدس لا الأقدس ، وإلا يكون مناقضا لقوله : ( فالأمر كله