محمد داوود قيصري رومي

407

شرح فصوص الحكم

اجعلوه وقايتكم في الحمد ، تكونوا أدباء عالمين ) . لما استشهد بالآية ، ذكر مطلعها وعلم السالك التأدب بين يدي الله تعالى لتزداد نوريته ولا يقع في مهالك الإباحة . فإن توحيد الأفعال يقتضى إسناد الخير والشر إلى الله تعالى . فالسالك إذا أسندهما إليه قبل زكاء النفس وطهارتها ، يقع في الإباحة ، وبعد طهارتها ، يكون مسيئا للأدب بإسناد القبائح إليه . ولكون ( الاتقاء ) مأخوذا من ( وقى ، يقي ) كما يقال : وقيته وقاء فاتقى . أي ، اتخذ الوقاية . فسر ( اتقوا ) بقوله : ( إجعلوا ما ظهر منكم وقاية لربكم ) أي ، آلة الوقاية ، كما قال تعالى : ( خذوا حذركم ) . أي آلة الحذر ، كالترس وغيره من السلاح . فالمراد ب‍ ( ما ظهر ) هو الجسد مع النفس المنطبعة فيه . أي ، انسبوا النقائص إلى أنفسكم لتكونوا وقايته في الذم . واجعلوا ما بطن منكم ، وهو الروح الذي يربكم وقاية لكم في الحمد ، أي ، انسبوا الكمالات إلى ربكم ، كما قال عن لسان الملائكة : ( سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا ) . وعند نسبة الكمالات إلى الله تعالى يكون لكم الخلاص من ظهور إنياتكم وأنفسكم ، ولا يكون للشيطان عليكم سلطان . وإنما جعل الظاهر وقاية للباطن في الذم ، والباطن وقاية للظاهر في الحمد ، وأثبت الربوبية للباطن : فإن الظاهر من حيث النفس المنطبعة منبع النقائص ومحل التصرفات الشيطانية ، وهو عبد مربوب أبدا . والباطن منبع الأنوار ومرأة التجليات الرحمانية ، فله ربوبية من حيث اتصافه بالكمالات وإن كان له عبودية من حيث إنه يستفيض من الرب المطلق دائما . فلا يقال ، إنه جعل الرب آلة الاتقاء ، لأن المتقى اسم مفعول . لأن الباطن الذي جعله آلة الاتقاء هو عبد من وجه . وأيضا ، جعل الباطن تارة آلة الاتقاء والظاهر متقى ، وأخرى الظاهر آلة الاتقاء والباطن متقى . والظاهر والباطن كلاهما حق ، فهو المتقى والمتقى به ، كما قال ، عليه السلام : ( أعوذ بك منك ) . ( ثم ، إنه تعالى أطلعه على ما أودع فيه ) أي ، آدم . ( في قبضتيه : القبضة الواحدة فيها العالم ، وفي القبضة الأخرى آدم وبنوه وبين مراتبهم فيه ) . أي ، بعد