محمد داوود قيصري رومي
392
شرح فصوص الحكم
نسبت إلينا ، فعند الرجوع إلى أصلها تفنى فيه ، كفناء القطرة في البحر وذوبان الجليد في الماء ، فلا ينعدم أصلا ، بل ينعدم تعينها وتستهلك في التعين الذاتي الذي منه تفرعت التعينات ، لأن أصله كان عدما ، فيرجع إلى أصله . لذلك قيل : ( التوحيد إسقاط الإضافات ) . وقد يحصل رجوع الأمر إليه قبل القيامة الكبرى بالقيامة الدائمة المشاهدة للعارفين . وهو نوع من أنواع القيامات . وذلك لأن الحق تعالى في كل آن يخلق خلقا جديدا ، كما قال : ( بل هم في لبس من خلق جديد ) . ويمد الأكوان بأنواع التجليات الذاتية والصفاتية ، ويصل ذلك الفيض إلى الإنسان الذي هو آخر الموجودات ، ثم يرجع منه بالانسلاخ المعنوي إلى ربه . وقد جاء في الحديث أيضا : ( إن ملائكة النهار ترجع إلى الحضرة عند الليل ، وملائكة الليل ترجع إليها عند النهار ، ويخبرون الحق بأفعال العباد وهو أعلم بها منهم ) . وإذا كان الأمر كذلك ، فهو أول في عين آخريته وآخر في عين أوليته . وهما دائمتان أزلا وأبدا . قوله : ( ثم ليعلم أن الحق وصف نفسه بأنه ظاهر وباطن ) مزيد بيان لما مر من أن الحق تعالى خلق آدم على صورته وكمالاته ، ليستدل بها عليه ويتمكن السالك من الوصول إليه . ( فأوجد العالم ) أي ، العالم الإنساني . وإن شئت قلت العالم الكبير لأنه أيضا صورة الإنسان ، لذلك يسمى بالإنسان الكبير . والأول أنسب بالمقام ، إذ المقصود أن الإنسان مخلوق على صورته لا العالم . ( عالم غيب وشهادة ) أي ، عالم الأرواح والأجسام . ( لندرك الباطن بغيبنا والظاهر بشهادتنا ) . هذا دليل على أن المراد ب ( العالم ) هو العالم الإنساني . أي ، لندرك عالم الباطن ، وهو عالم الجبروت والملكوت ، بروحنا وقلبنا وقوانا الروحانية ، وندرك عالم الظاهر بأبداننا ومشاعرنا وقوانا المنطبعة فيها . أو ندرك غيب الحق من حيث أسمائه وصفاته لا من حيث ذاته ، فإنه لا يمكن لأحد معرفتها ، إذ لا نسبة بينها وبين غيرها من العالمين بغيبنا ، أي بأعياننا لغيبته ، وندرك ظاهره وهو مظاهر تلك الأسماء الغيبية من العقول والنفوس وغيرهم من ( * )