محمد داوود قيصري رومي

24

شرح فصوص الحكم

ومرتبة الانسان الكامل عبارة عن جمع جميع المراتب الآلهية والكونية ( 181 ) من العقول والنفوس الكلية والجزئية ومراتب الطبيعة إلى آخر تنزلات الوجود ويسمى بالمرتبة العمائية أيضا ، فهي مضاهية للمرتبة الإلهية ولا فرق بينهما الا بالربوبية والمربوبية ( 182 ) ، لذلك صار خليفة الله ( 183 ) . وإذا علمت هذا ، علمت الفرق بين المراتب الإلهية والربوبية والكونية . وجعل بعض المحققين المرتبة الإلهية هي بعينها مرتبة العقل الأول باعتبار جامعية الاسم الرحمان لجميع الأسماء كجامعية الاسم الله لها . هذا وان كان حقا من وجه ( 184 ) لكن كون الرحمان تحت حيطة اسم الله يقضى بتغاير المرتبتين ، ولولا وجه المغايرة بينهما ما كان تابعا للاسم الله في ( بسم الله الرحمن الرحيم ) ، فافهم . تنبيه آخر قد مر ان كل كمال يلحق الأشياء بواسطة الوجود وهو الموجود بذاته . فهو الحي القيوم العليم المريد القادر بذاته ( 185 ) لا بالصفة الزائدة عليها والا يلزم الاحتياج في إفاضة هذه الكمالات منه إلى حياة وعلم وقدرة وإرادة أخرى ، إذ لا يمكن إفاضتها الا من الموصوف بها . وإذا علمت هذا ، علمت معنى ما قيل إن صفاته عين ذاته ولاح لك حقيقته . وان المعنى به ما ذكر ، لا ما يسبق إلى الافهام من أن الحياة والعلم والقدرة الفائضة منه اللازمة له عين ذاته ، وان كان هذا أيضا صحيحا من وجه آخر ( 186 ) ، فان الوجود في مرتبة أحديته ينفى التعينات كلها ، فلا يبقى فيها صفة ولا موصوف ولا اسم ولا مسمى الا الذات فقط . وفي مرتبة واحديته التي هي مرتبة الأسماء والصفات يكون صفة وموصوفا واسما ومسمى ، وهي المرتبة الإلهية . كما أن المراد من قولنا ان وجوده عين ذاته ، انه موجود بذاته لا بوجود فايض منه وهو عين ذاته ، فيتحد الحياة والعلم والقدرة وجميع الصفات الثبوتية كاتحاد الصفة والموصوف في المرتبة الأولى ، وحكم العقل بالمغايرة بينهما ( 187 ) في العقل أيضا كالحكم بالمغايرة بين الموصوف والصفة في العقل مع اتحادهما

--> ( 181 ) - وهذا هو المراد من الأمانة في قوله تعالى : ( انا عرضنا الأمانة على السماوات . . . ) . نعم ما قيل : آسمان بار امانت نتوانست كشيد قرعه فال به نام من ديوانه زدند . وفي لفظ الأمانة ايهام إلى انها لا بد ان ترد يوما وذلك لا يكون الا بالفناء المحقق في الحق المتعال والبقاء به . 12 ( 182 ) - أي ، بالظاهرية والمظهرية . 12 ( 183 ) - اعلم ، ان لكل تعين وجودا خاصا ولو باعتبار كما إذا كان التعينات المتعددة موجودة بوجود واحد كما في الواحدية ، فهذا الوجود الخاص والحصة من الوجود يكون له علاقة مخصوصة بهذا التعين المخصوص فإذا لوحظ هذه الحصة من الوجود يقال : ان هذا الوجود رب هذا المتعين المخصوص ، أي هذا الموجود هو الذي يظهر به هذا التعين المخصوص ، وهذا معنى قوله وإذا اخذت كذا يكون رب كذا . . . 12 ( 184 ) - بوجه العينية . ( 185 ) - إذ معطي الشئ ليس بفاقد له . 12 ( 186 ) - وهو عينية الفيض للمفيض . 12 ( 187 ) - الأوصاف .