عبد العظيم المهتدي البحراني

57

من أخلاق الإمام الحسين ( ع )

فقد أراد الإسلام أن يسمو بهذا الكائن إلى مصاف الملائكة فصيرته سياسة حكامه إلى حضيض البهائم والعجماوات . وجاء الحسين ( عليه السلام ) بثورته الخالدة فاسترد الخلق المصادر وليس الأرض ، وأنقذ الأدب وليس الحكم ، وانتشل من مستنقع السياسات الضالة شخصية المسلم ووضعه على الجادة الوسطى وشحنه بالفضائل الجهادية ، فطارت به قواه وحلقت به ملكاته الفاضلة إلى مصاف الملائكة ثانية ، وذلك بأخلاقيات ثورته وتضحية أنصاره وجهاد أعوانه ، وصارت كربلاء ثورة هي في الحقيقة قانون جهادي أخلاقي يستطيع من يحسن استعماله أن يغير به نظام العالم ويحرر به أمما وينقذ شعوبا . والفرق بين نظام الدولة ونظام الأخلاق أن الأولى تفضي إلى تجميد قانون الجهاد بما يحيط بها من مشاكلها ، والثانية تبقي هذا القانون حيويا فاعلا في الأمة متحركا في ضميرها يهتز بالحياة والنشاط كلما واتته ظروف الثورة على الواقع المرهق ، فهل حصل المرجو من ثورة الحسين ( عليه السلام ) وهل نالت الأمة هذا الدفق المتفجر في ذاتها من قانون الجهاد الحسيني ؟ أجل ، لقد وعت الأمة ذاتها بعد ثورة الحسين ، وميزت بين عدوها وصديقها ، وثارت على واقعها المفتعل بأيدي حكامها عدة ثورات ، ولا زال قانون الجهاد الحسيني يشدها إلى الثورات وسيبقى كذلك إلى أن تطهر الأرض من رجس العدى . وهكذا فإنه إذا كان بعض قد ذهب إلى تقليد الحسين في ثورته ونسي أخلاقه الحسنة وأهدافه السامية ، وبعض آخر قد حصر الحسين في أخلاق فردية ودموع بلا رسالة حضارية ، فإني أذهب إلى رأي جامع بينهما ، وهو أن الحسين معلم الأخلاق الرسالية الشاملة ، وعلى هذا الرأي قد ربى ( عليه السلام ) تلاميذه وأصحابه وكل من ينتمي إليه على امتداد الزمن . وكان الحسين . . . نعم . . وكان الحسين ( عليه السلام ) لتكون تلك الأخلاق المحمدية العلوية متلألئة في حسنها وجمالها وديموميتها . وكان الحسين ( عليه السلام ) لتكون الفضائل السلوكية دوما تنادي إلى الحياة الطيبة وتبشر بها الفرد والأسرة والأمة .