ابن أبي شيبة الكوفي
29
المصنف
شاطئ النهر ينتظرون مجزأة أن يأتيهم وهو عند أبي موسى يوصيه ويأمره ، قال عبد الرحمن بن أبي بكرة : وليس لهم هم غيره - يشير إلى الموت ، لأنظرن إلى ما يصنع ، والمائدة موضوعة بين يدي أبي موسى ، قال : فكأنه استحي أن لا يتناول من المائدة شيئا ، قال : فتناول حبة من عنب فلاكها ، فما قدر على أن يسيغها وأخذها رويدا فنبذها تحت الخوان ، وودعه أبو موسى وأوصاه فقال : مجزأة لأبي موسى : إني أسألك شيئا فأعطنيه . قال : لا تسألني شيئا إلا أعطيتكه ، قال : فأعطني سيفك أتقلده إلى سيفي ، فدعا له بسيفه فأعطاه إياه ، فذهب إلى القوم وهم ينظرونه حتى كان في وسطه منهم فكبر ووقع في الماء ووقع القوم جميعا ، قال : يقول عبد الرحمن بن أبي بكرة : كأنهم البط فسبحوا حتى جاوزوا ، ثم انطلق بهم إلى الثقب الذي يدخل الماء منه فكبر ، ثم دخل فلما أفضى إلى المدينة فنظر لم يقم معه إلا خمسة وثلاثون أو ستة وثلاثون رجلا ، فقال لأصحابه : ألا أعود إليهم فأدخلهم ؟ فقال رجل من أهل الكوفة يقال له الجبان لشجاعته : غيرك فليقل هذا يا مجزأة ، إنما عليك نفسك ، فامض لما أمرت به ، فقال له : أصبت ، فمضى بطائفة منهم إلى الباب فوضعهم عليه ومضى بطائفة إلى السور ، ومضى بمن بقي حتى صعد إلى السور ، فانحدر عليه علج من الأساورة معه ، فنزل فطعن مجزأة فأثبته ، فقال مجزأة : امضوا لأمركم ، لا يشغلنكم عني شئ ، فألقوا عليه برذعة ليعرفوا مكانه ومضوا ، وكبر المسلمون على السور وعلى باب المدينة وفتحوا الباب وأقبل المسلمون على عادتهم حتى دخلوا المدينة ، قال : قيل للهرمزان : هذا العرب قد دخلوا ، قال : لا شك أنهم قد رحسوها ، قال : من أين دخلوا ؟ أمن السماء ، قال : وتحصن في قصبة له ، وأقبل أبو موسى يركض على فرس له عربي حتى دخل على أنس بن مالك وهو على الناس ، قال : لكن نحن يا أبا حمزة لم نصنع اليوم شيئا ، وقد قتلوا من القوم من قتلوا ، وأسروا من أسروا ، وأطافوا بالهرمزان لقصبته إليه حتى أمنوه ، ونزل على حكم عمر الخطاب أمير المؤمنين ، قال : فبعث بهم أبو موسى مع أنس الهرمزان وأصحابه ، فانطلقوا بهم حتى قدموا على عمر ، قال : فأرسل إليه أنس : ما ترى في هؤلاء ؟ أدخلهم عراة مكتفين ، أو آمرهم فيأخذون حليهم وبرمتهم ، قال : فأرسل إليه عمر ، لو أدخلتهم كما تقول عراة مكتفين لم يزيدوا على أن يكونوا أعلاجا ، ولكن أدخلهم عليهم حليهم وبرمتهم حتى يعلم المسلمون ما أفاء الله عليهم ،
--> ( 8 / 1 ) الأساورة : قادة الجند عند الفرس أي من الأمراء أو الضباط . القصبة : الدار ، أو القصر .