الجوهري
5
الصحاح
قصيدة واحدة ، ولا يمكن أن تأتي فيها لاختلاف تفعيلات البحور ، ولو جاءت قوافي قصيدة واحدة لكان الميزان مضطربا ، والخلل كريها ، وكان حريا بمن يريد من كتاب يؤلفه لأصحاب القوافي أن يضمن لهم اليسر ، مع أن الامر بين ، ولو اهتدى بهدي الشعراء في قصائدهم لأدرك ذلك ، ولكنه لم يفطن للقافية في القصيدة الواحدة ، فحشد الكلمات وحشرها كما اتفق له . والاختلاف واضح بين منهجي البندنيجي والجوهري وعمليهما وقصد كل منهما في عمله . وإن سبق البندنيجي في الوجود وسبق كتابه لا ينفيان ابتكار الجوهري منهجه ، بل يثبتان له الابتكار الذي يؤكده أن البندنيجي نفسه وكتابه معه مغموران ، وليس نهجه نهج الجوهري الذي يختلف كله عن نهج البندنيجي في تأسيس المنهج وطريقته . وما دام الجاسر نفسه يثبت ذلك ويذكره فلا يصح أن ينفي عن الجوهري ابتكاره لمنهجه المعجمي الذي لم يسبق إليه . ومن الثابت المؤكد أن البندنيجي لم يرد من كتابه تأليف معجم لغوي ، وإنما أراد تيسير القافية على الشعراء ، ولم يرد غيره ، وأما الجوهري فلم يرد خدمة الشعراء وإنما أراد أن يقدم معجما فقدم أصح معجم عربي خطا بالتأليف المعجمي أوسع خطوة عرفها تاريخ المعجمات العربية . وقد وهم بعض الباحثين فذكروا سبب ترتيب الجوهري صحاحه على أواخر الكلمات وزعموا أن أراد تيسير القافية على الشعراء والسجع على الكتاب ، ورأينا نحن رأيا غير ما رأوا ، وقلنا في " مقدمة الصحاح " صفحة 121 - 122 : " وقد ذكر بعض الباحثين العلماء أن سبب اختيار الجوهري - أو من تبعه - ترتيب معجمه على أواخر الكلمات : التيسير على الشعراء والكتاب والنظم والنثر ، فالكتاب كانوا يلتزمون السجع ، والشعراء القوافي ، فهم في حاجة إلى كلمات باعتبار أواخرها ، أو أن غلبة السجع أو نظم القوافي هديا مؤلفي المعجمات - وعلى رأسهم الجوهري - إلى هذه الطريقة . " ونحن لا نقبل هذا الرأي ونراه غير علمي ، وإذا صح هذا السبب فما أهون شأن مؤلفي المعجمات وما أضأل القصد ! " والذي نراه أن منهج الجوهري في ترتيب صحاحه باعتبار أواخر الكلمات غير مقصود منه تيسير الامر على الشعراء والكتاب ، حتى يجدوا السجع وكلمات القوافي دون عناء ، بل أراد الجوهري أن يؤلف معجما للناس جميعا دون أن ينظر إلى طائفة واحدة