السيد محمد الكثيري
59
السلفية بين أهل السنة والإمامية
غير تحرز كثير وتأويل كثير كما يفعل المعتزلة . . . واسم أهل السنة كان يطلق على جماعة قبل الأشعري والماتريدي . وقد حكي لنا أن جماعة كان يطلق عليها " أهل السنة " وكانت تناهض المعتزلة قبل الأشعري . ولما جاء الأشعري وتعلم على المعتزلة ، اطلع أيضا على مذهب " أهل السنة " وتردد كثيرا في أي الفريقين أصح ثم أعلن انضمامه إلى " أهل السنة " وخروجه على المعتزلة ( 63 ) . وأهل السنة الذين سبقوا الأشعري هم كما ذكرنا مدرسة ابن كلاب ومناصريها أبو العباس القلانسي والمحاسبي ، فهم الذين اشتهروا بالرد على المعتزلة . وأطلق الباحثون عليهم لقب " أوائل أهل السنة " ( 64 ) . وعليه فإن لقب " أهل السنة " قد عرف فعلا تطورا في مفهومه الاصطلاحي وانطباقه . فلم يعد يعني " أصحاب الحديث والأثر " ومن حدا حدوهم بالتحديد ، ولكنه أصبح يختص بمجموعة من العلماء قد لا يكونون ممن يشتغل بعلوم الحديث ويقفون عندها . بل ممن اشتغلوا بالكلام والرد على المعتزلة . ونحن نعلم نفور المحدثين كافة من علم الكلام وتضليل أصحابه والنهي عن الاشتغال به ( 65 ) . إن الاشتغال بعلم الكلام والرد على عقائد الاعتزال بالحجج العقلية مدعومة بالأدلة النقلية كما فعلت ذلك مدرسة ابن كلاب وأتباعها سيفجر الصراع مبكرا بين " أصحاب الحديث " و " أهل السنة الأوائل " . الممثلين في ابن كلاب والقلانسي والمحاسبي . لكن هل كان كل علماء الحديث وأصحابه على هذا الرأي ، أي محاربة وذم الكلام وأصحابه ؟ . إن مدرسة ابن كلاب أو " أوائل أهل السنة " إنما اشتغلوا بعلم الكلام للدفاع عن عقائد أهل الحديث والانتصار لها . واعتمادهم العقل بجانب النقل
--> ( 63 ) أحمد أمين ، ظهر الإسلام ، ج 4 ص 97 . ( 64 ) أنظر نشأة الفكر الفلسفي ، مصدر سابق ، الجزء الأول . ( 65 ) سيدفع هذا الموقف الأشعري إلى تأليف رسالة في الدفاع عن الكلام وجواز الاشتغال به . أنظر رسالة في استحسان الخوض في علم الكلام للأشعري ، طبعت في حيدر أباد بالهند الطبعة الأولى سنة 1323 ه .