القاضي النعمان المغربي

263

شرح الأخبار

فأعطاه إياه . [ 1167 ] وكان إذا انقضى الشتاء تصدق بكسوته في الشتاء ، وإذا انقضى الصيف تصدق بكسوته في الصيف . وكان يلبس من خير الثياب . فقيل له : تعطيها من لا يعرف بقيمتها ولا يليق به لباسها ، فلو بعتها وتصدقت بثمنها . فقال عليه السلام : اني لأكره أن أبيع ثوبا صليت فيه . [ انقطاعه إلى الله ] [ 1168 ] وكان إذا وقف في الصلاة لم يشتغل بغيرها ولم يسمع شيئا لشغله بالصلاة . وسقط بعض ولده في بعض الليالي ، فانكسرت يده ، فصاح أهل الدار ، وأتاهم الجيران ، وجئ بالمجبر [ فجبر الصبي ] وهو يصيح من الألم ، وكل ذلك لا يسمعه . فلما أصبح رأى يد الصبي مربوطة إلى عنقه ، فقال : ما هذا ؟ فأخبروه . [ فرزدق وقصيدته ] [ 1169 ] وكان عليه السلام ورعا حليما وقورا جميلا ، وحج في بعض السنين فجعل الناس ينظرون إلى جماله وكماله . ويقول من لم يعرفه لمن عسى أن يعرفه ، من هذا ؟ ! ليخبروه . قال قائل من الناس لفرزدق ( 1 ) من هذا ؟

--> ( 1 ) وهو همام بن غالب بن صعصعة ، وأمه : ليلى بنت عابس ، قيل إنه ولد سنة 10 ه‍ . دخل أبوه على أمير المؤمنين في البصرة ومعه ابنه فرزدق ، فأخبره أنه يقول الشعر . وكان له أخ وهو هميم بن غالب وأخت جعثن وكانت امرأة صدق ، وكان جرير يذكرها في مهاجاته لفرزدق ، وكان يقول : أستغفر الله فيما قلت لجعثن . تزوج ابنة عمه ، النوار بنت أعين بن صعصعة . توفي سنة 110 ه‍ عن عمر يناهز المائة سنة . ودفن في مقابر البصرة . وأما القصيدة فمؤلفة من 28 بيتا ذكرها عبد الوهاب المكي في طبقات الشافعية الكبرى 1 / 153 . وقال ابن شهرآشوب في المناقب 4 / 169 : إنها مؤلفة من 41 بيتا وذكر تمام القصيدة . وكذا في حلية الأبرار 2 / 50 ، وفي مجمع فنون الشعر ص 70 ط حجر 1335 : عدها 40 بيتا . المناسبة : لما حج هشام بن عبد الملك ، فلم يقدر على استلام الحجر من الزحام ، فنصب له منبر ، وجلس عليه ، وأطاف به أهل الشام . فبينما هو كذلك ، إذ أقبل علي بن الحسين عليه السلام وعليه ازار ورداء من أحسن الناس وجها وأطيبهم رائحة ، بين عينيه سجادة كأنها ركبة عنز ، فجعل يطوف ، فإذا بلغ موضع الحجر تنحى الناس حتى يستلمه هيبة . فقال له شامي : من هذا يا أمير المؤمنين ؟ فقال : لا أعرفه ! لئلا يرغب فيه أهل الشام . فقال الفرزدق : أنا أعرفه ( وكان حاضرا ) . فقال الشامي : من هو ، يا أبا الفراس ؟ فأنشأ القصيدة التي مطلعها : يا سائلي أين حل الجود والكرم * عندي بيان إذا طلابه قدموا هذا الذي تعرف البطحاء وطأته * والبيت يعرفه والحل والحرم إلى آخر الأبيات . فغضب هشام ومنع جائزته ، وقال : ألا قلت فينا مثلها ، فحبسه بعسفان ( بين مكة والمدينة ) فبلغ ذلك علي بن الحسين فبعث إليه باثني عشر ألف درهم ، وقال : اعذرنا يا أبا فراس . فلو كان عندنا أكثر من هذه لوصلناك به ، فردها ، وقال : يا بن رسول الله ما قلت هذا الذي قلت إلا غضبا لله ولرسوله ، وما كنت لارزأ عليه شيئا ، فردها عليه . فقال له علي بن الحسين عليه السلام : بحقي عليك لما قبلتها ، فقد رأى الله مكانك وعلم نيتك ، فقبلها . فجعل فرزدق يهجو هشاما ، وهو في الحبس ، فكان مما جاء به قوله : أيحبسني بين المدينة والتي * إليها قلوب الناس يهوى منيبها يقلب رأسا لم يكن رأس سيد * وعينا له حولاء تبدو عيونها فأخبر هشام بذلك فأطلقه . وفي رواية أبي بكر العلاف : أنه أخرجه إلى البصرة .