القاضي النعمان المغربي
79
شرح الأخبار
وأن له إذا شاء أن يطلب ذلك منه طلبه ، والقيام فيه . وكذلك امتناعه أن يبايعهم لما أتوه ليبايعوه ، ليس بمزيل ما وجب له ، كما أن ذا الحق إذا عرض عليه حقه ، فأبى في وقت ذلك أخذه ، وأخره إلى وقت آخر لم يسقط ذلك ، مع ما أراد صلوات الله عليه في ذلك من التأكيد عليهم باشتراط ما شرطه لما تقدم - وعودوه من خلافه من غير الواجب . وكان أول ما امتحن به عليه السلام بعد أن بويع ، وافضي الأمر إليه ، بعد أن أوغر صدور الخاصة بأن قطع عنهم من الإثرة ما عودوه ، والعامة بما حملهم من العدل عليه إلا من عصم الله جل ذكره ممن امتحن الله بالايمان قلبه فخف عليه من ذلك ما استثقله غيره ، ما قد احتال به من أراد التوثب عليه من القيام بدم عثمان ممن كان قد ألب عليه ، وقام مع قاتليه وممن خذله ، وقعد عنه ، فامتحن علي صلوات الله عليه بذلك محنة لم يجد معها غير ما صار إليه ، لأن جميع الخواص والوجوه من جميع الصحابة والمهاجرين والأنصار كانوا قد حلوا فيه محلتين ونزلوا فيه منزلتين : بين قائم عليه مجاهر بذلك حتى قتل ، وبين راض بذلك ، خاذل له معرض عما حل به . وعامة من غاب عن ذلك من سواد الناس وجملتهم يكبرون قتله ، ويتعاظمونه مع ما قبحه لهم وألبهم به ، وأغراهم من قبح ذلك لهم ممن خرج مع طلحة والزبير وعائشة ، واظهارهم أنهم إنما قاموا يطلبون بدم عثمان . وما اقتفاه معاوية وعمرو بن العاص في ذلك من آثارهم ، وسلكاه حتى صار ذلك عند العامة من أكبر الكبائر ، وأعظم العظائم لا يلتفتون فيه إلى من قتله ، وأعان عليه ، ولا إلى من قعد عنه وخذله فيه من أكابر الصحابة الذين هم قدوتهم ، وعنهم يأخذون دينهم . فوقف علي صلوات الله عليه من ذلك على أمرين ، المكروه في كليهما ، إن هو صرح بتصويب قتله استفسد العامة . وإن صرح بإنكاره استفسد الخاصة .