القاضي النعمان المغربي
75
شرح الأخبار
ثم قال : أيها الناس إن الجهاد باب من أبواب الجنة ، فمن تركه ألبسه الله الذلة ، وشمله البلاء ، وضرب بالصغار ، هذا عامل معاوية قد أغار على الأنبار ، فقتل بها عاملي ابن حسان ، ورجالا " كثيرا " ، وانتهكت بها حرم من النساء ، فقد بلغني أن الرجل منهم كان يدخل على المرأة المسلمة والأخرى المعاهدة ، فينتزع خلخالها ورعاثها ( 1 ) لا تمتنع منه إلا بالاسترحام والاسترجاع ، ثم انصرفوا لم يكلم أحد منهم ، فوالله لو أن امرء مات من دون هذا أسفا " ما كان عندي ملوما " ، بل كان عندي جديرا " ، يا عجبا " ، عجبت لبث القلوب ، وتشعب الآراء من اجتماع هؤلاء القوم على باطلهم ، وفشلكم عن حقكم حتى صرتم غرضا " ( 2 ) ترمون ولا ترمون ، وتغزون ولا تغزون ، ويغار عليكم ولا تغيرون ، ويعصى الله وترضون . إذا قلت لكم : اغزوهم في البرد ، قلتم : هذه أيام صر وقر . وإذا قلت لكم : اغزوهم في الحر ، قلتم : هذه حمارة القيظ ( 3 ) ، امهلنا حتى ينسلخ الحر . فأنتم من الحر والبرد تفرون ولأنتم والله من السيف أفر ، يا أشباه الرجال ولا رجال ، ويا طغام الأحلام ، ويا عقول ربات الحجال ، قد ملأتم قلبي غيظا " بالعصيان والخذلان ، حتى قالت قريش : إن علي بن أبي طالب رجل شجاع ، ولكن لا علم له بالحرب ، ومن منهم أعلم بالحرب مني ، لقد نهضت فيها وما بلغت العشرين ، وأنا الآن قد عاقبت الستين ، لكن لا رأي لمن لا يطاع ، كم أمرتكم أن تغزوهم قبل أن يغزوكم ، وقلت لكم : إنه لم يغز قوم قط في عقر دارهم إلا ذلوا ، فما قبلتم أمري ، ولا استجبتم لي ، أبدلني الله بكم
--> ( 1 ) الرعاث : جمع رعثة أي الرعثة القرط . ( 2 ) غرضا " : هدفا " . ( 3 ) حمارة القيظ : شدة الحر .