أبي المعالي القونوي
25
رسالة النصوص
والخياليّة والحسيّة والطبيعيّة ، وهذا عام في كل ما يسمّى مصدرا لشيء أو أشياء أو أصلا مثمرا ، لكن ( 1 ) انّما يكون له هذا الوصف
--> ( 1 ) قوله : لكن انّما يكون له هذا الوصف باعتبار تعلَّقه من حيث هو هو ( إلى آخره ) اى عدم أثمار الشّىء وعدم انتاجه ما يضاده ويبايضه ، لا يكون على سبيل الإطلاق ، بل انّما يكون للشيء هذا الوصف ، اى عدم أثمار الضدّ والتباين ، إذا اعتبر تعلَّقه من حيث هو هو وباعتبار آخر خفىّ . واما في غير ذلك القسمين ، قد يكون الثمر ضدّا ومباينا للمصدور والمثمر ، كما إذا اعتبر شرط زائد في التعلق والمصدريّة . وعرضه ( رحمه الله ) ، انّ عدم أثمار الضدّ والمباين ، ظاهر ومسلَّم في اعتبار الشيء في التعلق والمصدريّة من حيث هو هو ومن حيث اعتبار آخر خفىّ ، وفي غيرهما يكون عدم أثمار الضدّ ، محل خفاء وتأمّل ، بل قد يتوهّم المصدريّة على حسب ظاهر النظر وبدو الأمر ، كما في صورة اعتبار الشرط الزائد في المصدريّة . مثلا يتوهّم من أثمار الروحانيات الثّابتات الباقيات الحوادث المتجددة الفانية ، انّ الشيء يثمر ما يضادّه ، وكذا من تبريد السّقمونياء الحارة ، وكذا من صدور العالم من الواحد الحقيقي ، يتوهّم ضديّة الثمرة للمثمر ولكن الحكم بالضديّة في كل ذلك في ظاهر النّظر ، واما بعد التأمّل ودقّة النظر ، يحكم بعدم الضديّة والمباينة ، لأن الثمر متعلق بذلك الشيء على حسب الشرط الخارج ، فيكون المصدر والمثمر هو ذلك الشيء مع الشرط ، اى ذلك المجموع والهيئة الجمعيّة ، فبملاحظة الشّروط والاعتبارات الخارجة ، يرتفع توهّم الضّديّة ، ويحكم بالمناسبة والمماثلة ، كما انّ الإثمار في المثال الأول بواسطة الحركات الفلكيّة والاتّصالات الكوكبيّة الزائلة على ما هو المشهور من الحكماء في مسألة ربط الحادث بالقديم ، وفي المثال الثاني من جهة اسهال الصّفراء وكذا نظائرهما ، فبعد ملاحظة الشّرائط والوسائط ، يعلم أن الثمر ليس ضدا ومباينا للمثمر . فظهر حينئذ انّ ثمرة الشّىء سواء اعتبر من حيث هو هو ، اىّ لا من جهة الوجه الخاصّ الذي لكلّ موجود من جهة عينه الثابتة ، ولا من حيث الأسباب والشّرائط الخارجة ، أو اعتبر من حيث الوجه الخاص ، أو من حيث الشرائط الزائدة الخارجة لا تناقضه ولا تضاده . وأثمار المعنوية اى عالم المعاني والأسماء والحقائق مستندة إلى الحق تعالى من حيث هو هو ، اى بالاعتبار الوجه الخاص الذي هو العين الثابتة ولا باعتبار شرط زائد وجودي ، لأنّ الوجود المقدس والفيض المنبسط من حيث الإحاطة والانبساط والعموم أيضا كذلك ، فليس المراد من قوله : من حيث هو هو ، في الحق تعالى ، هو إطلاقه الذاتي وذاته اللَّابشرطيّة ، حتى يقال : انّه لا يصح ان يحكم عليه حينئذ بحكم أو يضاف اليه مبدئيّة أو اقتضاء ايجاد أو صدور اثر ، إلى غير ذلك من الاحكام كما صرّح به الشيخ مرارا ، لأنّه رحمه الله ، جعله في مقابلة الوجه الخاص والشرط الخارج مع اعتبار المصدريّة والمثمريّة ، فيظهر منه انّ المراد من قوله : من حيث هو هو ، هو نفى الوجه الخاص والشّرط الزائد الخارج ، وليس منحصرا في الإطلاق الذاتي ، حتى يرجع اليه ويحمل عليه ، بل المراد منه الحق من حيث الأسماء الذاتية ، وامّهات الأسماء الالوهيّة ، بل الحق من حيث التعيّن الأول الذي هو مبدأ المبادي ومبدأ جلّ وينبوع اصلى . ملخّص الكلام : انّ في كلام الشيخ الكبير المصنف ( رحمه الله ) ، إشارة إلى اقسام ثلاثة متصورة ومحققه في المثمر ، وهي ان الشيء اما مثمر من حيث هو هو ، اى من غير اعتبار الوجه الخاص واعتبار الشروط والوسائط الخارجة عن ذات المثمر من حيث التعين الوجودي العيني ، كما في الحق تعالى من حيث التعيّن الأول وأسمائه الذاتية التي هي مفاتيح أول بالنّسبة إلى عالم المعاني والحقائق ، وكذلك بالنسبة إلى الفيض المقدس ، واما من حيث الوجه الخاصّ الذي هو العين الثابتة التي هي من نسب علمه ، كما في الحق تعالى بالنسبة إلى العقل الأول ، حيث لا يتوقف على شرط ولا موجب وجودي يكون سببا ومعدّا لتعيّنه ، بل عينه الثابتة وصورته العلميّة كافية في تحقّقه في الخارج ، وإلى هذين القسمين أشار بقوله : باعتبار تعلَّقه من حيث هو هو ، وباعتبار آخر خفى لا يطَّلع عليه ( إلى آخره ) ، واما من حيث اعتبار شرط واحد وجودي أو شروط وأسباب وجوديّة كما بعد العقل الأول إلى ، ان ينتهى إلى آخر المولَّدات . وإلى هذا القسم أشار بقوله : ومتى توهّم وقوع خلاف ما ذكرنا ، فليس ذلك الا بشرط خارج أو شروط ( إلى آخره ) ، ويمكن ان يقال انّ قوله : وباعتبار ( إلى آخره ) بيان للحيثيّة ، فالعطف للتفسير ، اى من حيث عينه الثابتة لا من حيث الأسباب والوسائط ، بل قد يترجّح لما ذكرنا ، من أن الحق من حيث هو هو ، بمعنى الإطلاق الذاتي ، لا يصحّ ان يحكم عليه بحكم ، أو يضاف اليه مبدئيّة أو اقتضاء ايجاد أو صدور اثر إلى غير ذلك ، فعلى هذا في كلام الشيخ إشارة إلى قسمين من الأقسام الثلاثة المذكورة ، ولكن قد عرفت ما في وجه الترجيح ، ويبعد ذلك الاحتمال ، اى العطف التفسيري « لفظة آخر » في قوله : وباعتبار آخر خفى ، لأنّ لفظة آخر صريح في المغايرة والمباينة ، الا ان يكون النسخة ، وباعتبار امر خفى ، اىّ لفظة امر مكان آخر ، والقرينة التامّة على ما ذكرناه أولا في شرح كلامه من اعتبار الأقسام الثلاثة ، وبيان معنى قوله : من حيث هو هو ، هي ذكر ثمرة المعنويّة من أنواع لآثار . فافهم واغتنم .