عبد الرحمن السهيلي
81
الروض الأنف في تفسير السيرة النبوية ( دار الفكر )
فإما أن يكون من الذين تتنزل عليهم الملائكة أن لا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون ، وإما أن يكون من الذين تقول لهم الملائكة ، وهم باسطوا أيديهم : أخرجوا أنفسكم اليوم تجزون عذاب الهون . ابن رواحة وفضله : وأما عبد الله بن رواحة فقد ذكر ابن إسحاق ما ذكر من فضائله . وذكر قوله للنبي صلى الله عليه وسلم : فتثبت اللّه ما آتاك من حسنٍ * تثبيت موسى ونصراً كالذي نصروا وروى غيره أنه عليه السلام قال له : قل شعرً تقتضبه اقتضاباً ، وأنا أنظر إليك ، فقال من غير روية : * إني تفرّست فيك الخير * الأبيات ، حتى انتهى إلى قوله : * فثبّت اللّه ما آتاك من حسنٍ * فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : وأنت فثبتك الله يا ابن رواحة . زيد وفضله : وأما زيد فقد تقدم التعريف به وبجملة من فضائله في أحاديث المبعث ، وحسبك بذكر الله له باسمه في القرآن ، ولم يذكر أحد من الصحابة باسمه سواه ، وقد بينا النكتة في ذلك في كتاب التعريف والأعلام ، فلينظر هنالك . رجوع أهل مؤتة : فصل : وذكر رجوع أهل مؤتة ، وما لقوا من الناس ، إذ قالوا لهم يا فرار ، فررتم في سبيل الله ، ورواية غير ابن إسحاق أنهم قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم نحن الفرارون يا رسول الله ؟ فقال : بل أنتم الكرارون ، وقال لم : أنا فئتكم ، يريد : أن من فر متحيزاً إلى فئة المسلمين ، فلا حرج عليه ، وإنما جاء الوعيد فيمن فر عن الإمام ، ولم يتحيز إليه ، أي : لم يلجأ إلى حوزته ، فيكون معه ، فالمتحيز متفعل من الحوز ، ولو كان وزنه متفعلاً ، كما يظن بعض الناس لقيل فيه : متحوز . وروى أن عمر رضي الله عنه حين بلغه قتل أبي عبيد بن مسعود وأصحابه في بعض أيام القادسية ، قال : هلا تحيزوا إلينا ، فإنا فيئة لكل مسلم . وذكر ابن إسحاق مخاشاة خالد بن الوليد بالناس يوم مؤتة . والمخاشاة : المحاجزة ، وهي : مفاعلة من الخشية ، لأنه خشي على المسلمين لقلة عددهم ، فقد قيل : كان العدو مائتي ألف من الروم ، وخمسين ألفاً من العرب ، ومعهم من الخيول والسلام ما ليس مع المسلمين ، وفي قول ابن إسحاق : وكان العدو مائة ألف وخمسين ألفاً ، وقد قيل : إن المسلمين لم يبلغ عددهم في ذلك اليوم ثلاثة آلاف ، ومن رواه : حاشى بالحاء المهملة ، فهو من الحشى ، وهي الناحية ، وفي رواية قاسم بن أصبغ عن ابن قتيبة في المعارف أنه سئل عن قوله : حاشى بهم ، فقال : معناه انحاز بهم ، وشعر قطبة بن قتادة يدل على أنه قد كان ثم ظفر ومغنم لقوله : وسقنا نساء بني عمّه * غداة رقوقين سوق النّعم وفي هذا الشعر أنه قتل رئيساً منهم وهو مالك بن رافلة ، وقد اختلف في ذلك كما ذكر ابن إسحاق ، فقال ابن شهاب : فأخذ خالد الراية حتى فتح الله على المسلمين ، فأخبر أنه قد كان ثم فتح ، وفي الراية الأخرى حين قيل لهم : يا فرار ، دليل على أنه قد كان ثم محاجزة ، وترك للقتال ، حتى قالوا : نحن الفرارون ، فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم ما تقدم ، فالله أعلم . أصل طعام التعزية : فصل : وذكر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر أن يصنع لآل جعفر طعام ، فإنهم قد شغلوا بأمر صاحبهم ، وهذا أصل في طعام التعزية وتسميه العرب الوضيمة ، كما تسمى طعام العرس الوليمة ، وطعام القادم من السفر : النقيعة ، وطعام البناء الوكيرة ، وكان الطعام الذي صنع لآل جعفر فيما ذكر الزبير ، في حديث