عبد الرحمن السهيلي

77

الروض الأنف في تفسير السيرة النبوية ( دار الفكر )

لأن النبي صلى الله عليه وسلم قاضى قريشاً عليها ، لا لأنه قضى العمرة التي صد عن البيت فيها ، فإنها لم تك فسدت بصرهم عن البيت ، بل كانت عمرةً تامةً متقبلة ، حتى إنهم حين حلقوا رؤوسهم بالحل احتملتها الريح فألفتها في الحرم ، فهي معدودة في عمر النبي صلى الله عليه وسلم وهي أربع : عمرة الحديبية ، وعمرة القضاء ، وعمرة الجعرانة ، والعمرة التي قرنها مع حجه في حجة الوداع ، فهو أصح القولين أنه كان قارناً في تلك الحجة وكانت إحدى عمره عليه السلام في شوال كذلك روى عروة عن عائشة ، وأكثر الروايات أنهن كن كلهن في ذي القعدة إلا التي قرن مع حجه ، كذلك روى الزهري ، وانفرد معمر عن الزهري بأنه عليه السلام كان قارناً ، وأن عمره كن أربعاً بعمرة القران . وأما حجاه عليه السلام فقد روى الترمذي أنه حج ثلاث حجات ثنتين بمكة ، وواحدةً بالمدينة وهي حجة الوداع ، ولا ينبغي أن يضاف إليه في الحقيقة إلا حجة الوداع ، وإن كان حج مع الناس إذ كان بمكة كما روى الترمذي ، فلم يكن ذلك الحج على سنة الحج ، وكماله ، لأنه كان مغلوباً على أمره ، وكان الحج منقولاً عن وقته ، كما تقدم في أول الكتاب ، فقد ذكر أنهم كانوا ينقلونه على حسب الشهور الشمسية ، ويؤخرونه في كل سنة أحد عشر يوماً ، وهذا هو الذي منع النبي صلى الله عليه وسلم أن يحج من المدينة ، حتى كانت مكة دار إسلام ، وقد كان أراد أن يحج مقفله من تبوك ، وذلك بإثر فتح مكة بيسير ، ثم ذكر أن بقايا المشركين يحجون ، ويطوفون عراةً فأخر الحج ، حتى نبذ إلى كل ذي عهد عهده ، وذلك في السنة التاسعة ، ثم حج في السنة العاشرة بعد إمحاء رسوم الشرك ، وانحسام سير الجاهلية ؛ ولذلك قال في حجة الوداع : إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض . حكم العمرة : والعمرة واجبة في قول أكثر العلماء ، وهو قول ابن عمر وابن عباس ، وقال الشعبي : ليست بواجبة ، وذكر عنه أنه كان يقرؤها : « وأتِمُّوا الحَجَّ والعُمْرَةُ لِلَّهِ » البقرة بالرفع لا يعطفها على الحج . وقال عطاء : هي واجبة إلا على أهل مكة ، ويكره مالك أن يعتمر الرجل في العام مراراً ، وهو قول الحسن وابن سيرين ، وجمهور العلماء على الإباحة في ذلك ، وهو قول علي وابن عباس وعائشة والقاسم بن محمد قالوا : يعتمر الرجل في العام ما شاء . تفسير الشعر الذي استشهد به ابن زراعة : وذكر قول عبد الله بن رواحة وهو آخذ بخطام ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم : * خلّوا بني الكفّار عن سبيله * نحن قتلناكم على تأويله * كما قتلناكم على تنزيله ويروى اليوم نضربكم على تأويله بسكون الباء ، وهو جائز في الضرورة نحو قول امرئ القيس : فاليوم أشرب غير مستحقب ولا يبعد أن يكون جائزاً في الكلام إذا اتصل بضمير الجمع ، فقد روي عن ابن عمرو أنه كان يقرأ « يأمُرْكُم ويَنْصُرْكُم » وهذان البيتان الأخيران هما لعمار بن ياسر ، كما قال ابن هشام ، قالهما يوم صفين ، وهو اليوم الذي قتل فيه عمار ، قتله أبو الغادية الفزاري وابن وجزء اشتركا فيه . الزواج للمحرم : فصل : وذكر تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم لميمونة بنت الحارث الهلالية ، وأمها هند بنت عوف الكنانية إلى آخر قصتها ، وفيه أن حويطب بن عبد العزى ، قال للنبي صلى الله عليه وسلم في اليوم الثالث : أخرج عنا ، وقد كان أراد أن يبتني بميمونة في مكة ، ويصنع لها طعاماً ، فقال له حويطب : لا حاجة لنا بطعامك فأخرج عنا ، فقال له سعد : يا عاضاً ببظر أمه أرضك وأرض أمك ؟ هي دونه ؟ ! فأسكته النبي صلى الله عليه وسلم ، وخرج وفاء لهم بشرطهم ، وابتنى بها بسرف ، وبسرف ، كانت وفاتها رضي الله عنها حين ماتت ، وذلك سنة