عبد الرحمن السهيلي
68
الروض الأنف في تفسير السيرة النبوية ( دار الفكر )
وضيع أهل الدنيا حظهم من الآخرة ، فاختلفوا في سعي الدنيا ، واستووا في عدل الآخرة ، وقد صغر هذا الأمر عندك أنا أتيناك به ، وقد والله جاءك من حيث خفت ، وما تصغيرك إياه بالذي يدفعه عنك ، ولا تكذيبك به بالذي يخرجك منه ، وفي وقعة ذي قار على ذلك دليل ، فأخذ الكتاب فمزقه ، ثم قال : لي ملك هنيء لا أخشى أن أغلب عليه ، ولا أشارك فيه ، وقد ملك فرعون بني إسرائيل ، ولستم بخير منهم ، فما يمنعني أن أملككم ، وأنا خير منه ، فأما هذا الملك ، فقد علمنا أن يصير إلى الكلاب ، وأنتم أولئك تشبع بطونكم ، وتأبى عيونكم ، فأما وقعة ذي قار ، فهي بوقعة الشام . فانصرف عنه عبد الله . وإنما خص النبي صلى الله عليه وسلم عبد الله بن حذافة بإرساله إلى كسرى ، لأنه كان يتردد عليهم كثيراً ويختلف إلى بلادهم ، وكذلك سليط بن عمر وكان يختلف إلى اليمامة ، قال وثيمة : لما قدم سليط بن عمرو العامري على هوذة ، وكان كسرى قد توجه ، قال : يا هوذة إنك سودت أعظم حائلة ، وأرواح في النار ، وإنما السيد من منع بالإيمان ثم زود التقوى ، وإن قوماً سعدوا برأيك فلا تشق به ، وإني آمرك بخير مأمور به ، وأنهاك عن شر منهي عنه ، آمرك بعبادة الله ، وأنهاك عن عبادة الشيطان ، فإن في عبادة الله الجنة وفي عبادة الشيطان النار ، فإن قبلت نلت ما رجوت ، وأمنت ما خفت ، وإن أبيت فبيننا وبينك كشف الغطاء ، وهول المطلع ، فقال هوذة : يا سليط سودني من لو سودك شرفت به ، وقد كان لي رأي اختبر به الأمور ، ففقدته فموضعه من قلبي هواء ، فاجعل لي فسحةً يرجع إلي رأيي ، فأجيبك به إن شاء الله . قال : ومن شعر عبد الله بن حذافة في رسالته إلى كسرى وقدومه عليه : أبى اللّه إلاّ أنّ كسرى فريسةٌ * لأوّل داعٍ بالعراق محمّدا تقاذف في فحش الجواب مصغّراً * لأمر العريب الخائضين له الرّدى فقلت له : أرود ، فإنك داخل * من اليوم في البلوى ومنتهبٌ غدا فأقبل وأدبر حيث شئت ، فإننا * لنا الملك فابسط للمسالمة اليدا وإلاّ فأمسك قارعاً سنّ نادمٍ * أقرّ يذلّ الخرج أو مت موحّدا سفهت بتمزيق الكتاب ، وهذه * بتمزيق ملك الفرس يكفي مبددا وقال هوذة بن علي في شأن سليط : أتاني سليط والحوادث جمّة * فقلت لهم : ماذا يقول سليط ؟ فقال التي فيها عليّ غضاضةٌ * وفيها رجاءٌ مطمعٌ وقنوط فقلت له : غاب الذي كنت أجتلي * به الأمر عني فالصّعود هبوط وقد كان لي واللّه بالغ أمره * أبا النّضر جأشٌ في الأُمور ربيط فأذهبه خوف النبيّ محمّدٍ * فهوذة فهٌّ في الرجال سقيط فأجمع أمري من يمين وشمأل * كأني ردودٌ للنّبال لقيط فأذهب ذاك الرأي إذ قال قائل * أتاك رسولٌ للنبيّ خبيط رسول رسول اللّه راكب ناضح * عليه من أوبار الحجاز غبيط سكرت ودبّت في المفارق وسنةٌ * لها نفسٌ عالي الفؤاد غطيط أُحاذر منه سورة هاشميّةً * فوارسها وسط الرّجال عبيط فلا تعجلّني يا سليط فإننا * نبادر أمراً والقضاء محيط