عبد الرحمن السهيلي
65
الروض الأنف في تفسير السيرة النبوية ( دار الفكر )
وقول حسان : وأيمن لم يجبن ولكن مهره * أضرّ به شرب المديد المخمّر المديد : وقع في الأصل ، وهو معروف ، ولكن ألفيت في حاشية الشيخ عن ابن دريد : المريد براء ، والمريس أيضاً ، وهو تمر ينقع ثم يمرس وأنشد : مسنفات تسقى ضياح المريد * أبو أيوب يحرس النبي صلى الله عليه وسلم : وذكر قول النبي صلى الله عليه وسلم لأبي أيوب حين بات يحرسه : حرسك الله يا أبا أيوب ، كما بت تحرس نبيه . قال المؤلف : فحرس الله أبا أيوب بهذه الدعوة ، حتى إن الروم لتحرس قبره ، ويستسقون به ، ويستصحون ، وذلك أنه غزا مع يزيد بن معاوية سنة خمسين ، فلما بلغوا القسطنطينة مات أبو أيوب هنالك ، وأوصى يزيد أن يدفنه في أقرب موضع من مدينة الروم ، فركب المسلمون ، ومشوا به حتى إذا لم يجدوا مساغاً ، دفنوه ، فسألتهم الروم عن شأنهم ، فأخبروهم أنه كبير من أكابر الصحابة ، فقالت الروم ليزيد ما أحمقك وأحمق من أرسلك أأمنت أن ننبشه بعدك ، فنحرق عظامه ، فأقسم لهم يزيد لئن فعلوا ذلك لنهدمن كل كنيسة بأرض العرب ، ولننبشن قبورهم ، فحينئذ حلفوا لهم بدينهم ليكرمن قبره ، وليحرسنه ما استطاعوا ، فروى ابن القاسم عن مالك ، قال : بلغني أن الروم يستسقون بقبر أبي أيوب رحمه الله ، فيسقون . أموال خيبر وأراضيها : أما قسم غنائمها ، فلا خلاف فيه وفي كل مغنم بنص القرآن كما تقدم في غزاة بدر ، وأما أرضها ، فقسمها النبي صلى الله عليه وسلم بين من حضرها من أهل الحديبية وأخرج الخمس لله ولرسوله ، ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل ، وقد تقدم الكلام في معنى : لله ولرسوله ، وما معنى سهم الله ، وسهم الرسول ، ولولا الخروج عما صمدنا إليه لذكرنا سراً بديعاً وفقهاً عجيباً في قوله تعالى : « للَّهِ وللرسول ولذِي القربى » باللام ، ولم يقل ذلك في اليتامى والمساكين ، وقال : وللرسول ، وقال في أول السورة : « قُلِ الأَنْفَالُ للّه والرسول » وقال في آية الفيء « ما أفاء اللّه على رسوله فللَّه وللرسول » ولم يقل : رسوله ، وكل هذا لحكمة ، وحاشا لله أن يكون حرف من التنزيل خالياً من حكمة . وقال أبو عبيد في كتاب الأموال : قسم النبي صلى الله عليه وسلم أرض خيبر أثلاثاً أثلاثاً ، السلالم والوطيح والكتيبة ، فإنه تركها لنوائب المسلمين وما يعروهم ، وفي هذا ما يقوي أن الإمام مخير في أرض العنوة إن شاء قسمها أخذاً بقول الله سبحانه : « واعلموا أَنَّما غَنِمْتُم مِنْ شَيْءِ » الآية فيجريها مجرى الغنيمة ، وإن شاء وقفها كما فعل عمر رضي الله عنه أخذاً بقول الله تعالى : « ما أفاء اللّه على رسولهِ من أهلِ القُرَى » إلى قوله : « والذين جَاءوا مِنْ بعدهم » فاستوعبت آية الفيء جميع المسلمين ، ومن يأتي بعدهم ، فسمى آية القرى فيئاً وسمى الأخرى غنيمةً ، فدل على افتراقهما في الحكم ، كما افترقا في التسمية ، وكما اختلف الفقهاء في هذه المسألة على أقوال منهم : من يرى قسم الأرض كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم بخيبر ، وهو قول الشافعي ، ومنهم من يراها وفقاً على المسلمين لبيت مالهم ، ومنهم من يقول بتخيير الإمام في ذلك ، فكذلك افترق رأي الصحابة عند افتتاح البلاد ، فكان رأي الزبير القسم ، فكلم عمرو بن العاصي حين افتتح مصر في قسمها فكتب عمرو بذلك إلى عمر بن الخطاب ، فكتب إليه عمر : أن دعها ، ولا تقسمها ، حتى يجاهد منها حبل الحبلة ، وقد شرحنا هذه الكلمة في المبعث قبل هذا بأجزاء ، وكذلك استأمر عمر رضي الله عنه الصحابة في قسم أرض السواد حين افتتحت ، فكان رأي علي مع رأي عمر رضي الله عنهما أن يقفها ، ولا يقسمها ، وأرض السواد أولها من تخوم الموصل مدامع الماء إلى عبادان من السحال عن يسار دجلة ، وفي العرض من جبال حلوان إلى