عبد الرحمن السهيلي

63

الروض الأنف في تفسير السيرة النبوية ( دار الفكر )

مات منها بعد حول ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم عند موته : ما زالت أكلة خيبر تعادني ، فهذا أوان قطعت أبهري وكان ينفث منها مثل عجم الزبيب . وتعادني ، أي : تعتادني المرة بعد المرة ، قال الشاعر : أُلاقي من تذكّر آل ليلى * كما يلقى السّليم من العداد والأبهر : عرق مستبطن القلب . قل ابن مقبل : وللفؤاد وجيبٌ تحت أبهره * لدم الوليد وراء الغيب بالحجر وقد روى معمر بن راشد في جامعه عن الزهري أنه قال : أسلمت فتركها النبي صلى الله عليه وسلم قال معمر : هكذا قال الزهري : أسلمت ، والناس يقولون : قتلها ، وأنها لم تسلم ، وفي جامع معمر بن راشد أيضاً أن أم بشر بن البراء قالت للنبي صلى الله عليه وسلم في المرض الذي مات منه ما تتهم يا رسول الله ، فإني لا أتهم ببشر إلا الأكلة التي أكلها معك بخيبر ، فقال : وأنا لا أتهم بنفسي إلا ذلك ، فهذا أوان قطعت أبهري . حديث الغفارية : فصل : وذكر حديث الغفارية التي شهدت خيبر ، ولم يسمها ، وقد يقال : اسمها ليلى ، ويقال : هي امرأة أبي ذر الغفاري ، وقولها : رضخ لي رسول الله صلى الله عليه وسلم أصل الرضخ أن تكسر من الشيء الرطب كسرةً فتعطبها ، وأما الرضخ بالحاء المهملة ، فكسر اليابس ، الصلب ، قال الشاعر : كما تطاير عن مرضاحه العجم * بعض أحكام الماء : وقولها : أمرني أن أجعل في طهوري ملحاً . فيه رد على من زعم من الفقهاء أن الملح في الماء إذا غير طعمه مضافاً طاهراً غير مطهر ، وفي هذا الحديث ما يدفع قوله : ومن طريق النظر أن المخالط للماء إذا غلب على أحد أوصافه الثلاثة : الطعم ، أو اللون ، أو الرائحة ، كان حكم الماء كحكم المخالط له ، فإن كان ظاهراً غير مطهر كان الماء به كذلك ، وإذا كان لا طاهراً ولا مطهراً كالبول كان الماء لمخالطته كذلك ، وإن كان المخالط له طاهراً مطهراً كالتراب كان الماء طاهراً مطهراً ، والملح إن كان ماءً جامداً ، فهو في الأصل طاهر مطهر ، وإن كان معدنياً ترابياً ، فهو كالتراب في مخالطة الماء ، فلا معنى لقول من جعله ناقلاً للماء عن حكم الطهارة والتطهير ، ووقع في رواية يونس في السيرة أن النبي صلى الله عليه وسلم اغتسل عام الفتح من جفنة فيها ماء وكافور ، ومحمل هذه الرواية عندي إن صحت على أنه قصد بها التطيب ، وأنه لم يكن محدثاً ، ولأبي حنيفة في هذه الرواية متعلق لترخيصه . بعض من استشهد بخيبر : أبا الضياح بن ثابت ، ولم يسمه ، وقال الطبري : اسمه النعمان بن ثابت بن النعمان ، وقال غيره : اسمه عمير . وذكر فيمن استشهد : عامر بن الأكوع ، وهو الذي رجع عليه سيفه فقتله ، فشك الناس فيه ، فقالوا : قتله سلاحه ، فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم ، فقال : إنه جاهد مجاهد ، وقل عربي ، مشابهاً مثله ، وفي رواية : مشى به مثله ، ويروى أيضاً : نشأ بها مثله ، كل هذا يروى في الجامع الصحيح ، وهذا اضطراب من رواة الكتاب ، فمن قال : مشى بها مثله فالهاء عائدة على المدينة ، كما تقول : ليس بين لابيتها مثل فلان ، يقال : هذا في المدينة ، وفي الكوفة ، ولا يقال : في بلد ليس حوله لابتان ، أي : حرتان ، ويجوز أن تكون الهاء عائدةً على الأرض ، كما قال سبحانه : « كُلُّ مَنْ عليها فَانٍ » . قد يأتي الحال من النكرة : ومن رواه مشابهاً مفاعلاً من الشبه ، فهو حال من عربي ، والحال من النكرة لا بأس به إذا دلت على تصحيح معنىً كما جاء في الحديث : فصلى خلفه رجال قياماً . الحال ها هنا مصححة لفقه الحديث ، أي : صلوا في هذه الحال ، ومن احتج في الحال من النكرة بقولهم : وقع أمر فجأةً ، فلم يصنع شيئاً ، لأن فجأةً ، ليس