عبد الرحمن السهيلي
33
الروض الأنف في تفسير السيرة النبوية ( دار الفكر )
غزوة الحديبية يقال فيها : الحديبية بالتخفيف ، وهو الأعرف عند أهل العربية . قال الخطابي : أهل الحديث يقولون : الحديبية بالتشديد ، والجعرانة كذلك ، وأهل العربية يقولونهما : بالتخفيف ، وقال البكري : أهل العراق يشددون الراء والياء في الجعرانة والحديبية ، وأهل الحجاز يخففون ، وقال أبو جعفر النحاس : سألت كل من لقيته ممن أثق بعلمه عن الحديبية ، فلم يختلفوا على أنها بالتخفيف . الميقات والإشعار : فصل : وذكر خروج النبي صلى الله عليه وسلم معتمراً إلى مكة ، ولم يذكر في حديثه : من أين أحرم ، وفي الصحيح من رواية الزهري أنه أحرم من ذي الحليفة ، وهو خلاف ما يروى عن علي رحمه الله من قوله : إن تمام العمرة أن تحرم بها من دويرة أهلك ، وهذا من قول علي متأول فيمن كان منزله من وراء الميقات ، فهو الذي يحرم من دويرة أهله ، كما يحرم أهل مكة من مكة في الحج . وفي : أنه أشعر الهدي ، وهو خلاف قول النخعي وأهل الكوفة في قولهم إن الإشعار منسوخ بنهيه عن المثلة ، ويقال لهم : إن النهي عن المثلة كان بإثر غزوة أحد ، فلا يكون الناسخ متقدماً على المنسوخ . من شرح حديث الحديبية وفيه أنهم مروا بطريق أجرد ، ومعناه : كثير الحجارة ، والجرد : الحجر . وفيه أنه بعث عيناً له من خزاعة إلى مكة ، فدل على أنه يجوز للرجل أن يسافر وحده ، إذا مست الحاجة إلى ذلك ، أو كان في ذلك صلاح للمسلمين . وفي البخاري والنسوي أن عينه الذي أرسل جاءه بغدير الأشطاط ، والأشطاط : جمع شط ، وهو السنام ، قال الراجز : * شطّاً رميت فوقه بشطّ * وشط الوادي : أيضاً جانبه ، وبعضهم يقول فيه الأشظاظ بالظاء المعجمة ، واسم عينه ذلك بسر بن سفيان بن عمرو بن عمير الخزاعي ، وهو الذي بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم مع بديل ابن أم أصرم وهو بديل بن سلمة إلى خزاعة يستنفرهم إلى قتال أهل مكة عام الفتح . وفيه أن قريشاً خرجت ومعها العوذ المطافيل . العوذ : جمع عائذ ، وهي الناقة التي معها ولدها ، يريد أنهم خرجوا بذوات الألبان من الإبل ، ليتزودوا ألبانها ، ولا يرجعوا ، حتى يناجزوا محمداً وأصحابه في زعمهم ، وإنما قيل للناقة : عائذ ، وإن كان الولد هو الذي يعوذ بها ، لأنها عاطف عليه ، كما قالوا : تجارة رابحة ، وإن كانت مربوحاً فيها ، لأنها في معنى نامية وزاكية ، وكذلك عيشة راضية لأنها في معنى صالحة ، ومن نحو هذا قوله : « والهَدْيَ مَعْكُوفاً » الفتح وإن كان عاكفاً ، لأنه محبوس في المعنى ، فتحول وزنه في اللفظ إلى وزن ما هو في معناه ، كما قالوا في المرأة : تهراق الدماء ، وقياسه : تهريق الدماء ، ولكنه في معنى : تستحاض ، فحول إلى وزن ما لم يسم فاعله الدماء منصوبة على المفعول كما كانت .