عبد الرحمن السهيلي
251
الروض الأنف في تفسير السيرة النبوية ( دار الفكر )
ابن أبي شمر ، وجبلة ، وهو الذي أسلم ثم تنصر من أجل لطمة حاكم فيها إلى أبي عبيدة بن الجراح وكان طوله اثني عشر شبراً ، وكان يمسح برجليه الأرض ، وهو راكب ، فقال له : يا جبلة إن قومك نقلوا هذا النبي الأمي من داره إلى دارهم ، يعني : الأنصار ، فآووه ، ومنعوه ، وإن هذا الدين الذي أنت عليه ليس بدين آبائك ، ولكنك ملكت الشام وجاورت بها الروم ، ولو جاورت كسرى دنت بدين الفرس لملك العراق ، وقد أفر بهذا النبي الأمي من أهل دينك من إن فضلناه عليك لم يغضبك ، وإن فضلناك عليه لم يرضك ، فإن أسلمت أطاعتك الشام وهابتك الروم ، وإن لم يفعلوا كانت لهم الدنيا ولك الآخرة ، وكنت قد استبدلت المساجد بالبيع ، والأذان بالناقوس ، والجمع بالشعانين ، والقبلة بالصليب ، وكان ما عند الله خير وأبقى ، فقال له جبلة : إني والله لوددت أن الناس أجمعوا على هذا النبي الأمي اجتماعهم على خلق السماوات والأرض ، ولقد سرني اجتماع قومي له ، وأعجبني قتله أهل الأوثان واليهود ، واستبقاؤه النصارى ، ولقد دعاني قيصر إلى قتال أصحابه يوم مؤتة ، فأبيت عليه ، فانتدب مالك بن نافلة من سعد العشيرة فقتله الله ، ولكني لست أرى حقاً ينفعه ، ولا باطلاً يضره والذي يمدني إليه أقوى من الذي يختلجني عنه ، وسأنظر . المهاجر وابن عبد كلال : وأما المهاجر بن أبي أمية ، فقدم على الحارث بن عبد كلال ، وقال له : يا حارث إنك كنت أول من عرض عليه النبي صلى الله عليه وسلم نفسه ، فخطئت عنه ، وأنت أعظم الملوك قدراً ، فإذا نظرت في غلبة الملوك ، فانظر في غالب الملوك ، وإذا سرك يومك فخف غدك ، وقد كان قبلك ملوك ذهبت آثارها وبقيت أخبارها ، عاشوا طويلاً ، أملوا بعيداً وتزودوا قليلاً ، منهم من أدركه الموت ، ومنهم من أكلته النقم ، وإني أدعوك إلى الرب الذي إن أدرت الهدى لم يمنعك ، وإن أرادك لم يمنعه منك أحد ، وأدعوك إلى النبي الأمي الذي ليس له شيء أحسن مما يأمر به ، ولا أقبح مما ينهى عنه ، واعلم أن لك رباً يميت ويحيي الميت ، ويعلم خائنة الأعين ، وما تخفي الصدور ، فقال الحارث : قد كان هذا النبي عرض نفسه علي فخطئت عنه ، وكان ذخراً لمن صار إليه ، وكان أمره أمراً سبق ، فحضره الياس وغاب عنه الطمع ، ولم يكن لي قرابة أحتمله عليها ، ولا لي فيه هوى أتبعه له ، غير أني أرى أمراً لم يوسوسه الكذب ، ولم يسنده الباطل . له بدء سار ، وعاقبة نافعة ، وسأنظر . ومما قاله دحية بن خليفة في قدومه على قيصر : ألا هل أتاها على نأيها * قدمت على قيصر فقدرته بصلاة المسي * ح وكانت من الجوهر الأحمر وتدبير ربّك أمر السما * ء والأرض فأغضى ولم ينكر وقلت : تقرّ ببشرى المسي * ح ، فقال : سأنظر ، قلت : انظر فكان يقرّ بأمر الرسو * ل فما إلى البدل الأعور فشكّ وجاشت له نفسه * وجاشت نفوس بني الأصفر على وضعه بيديه الكتا * ب على الرّأس والعين والمنخر فأصبح قيصر من أمره * بمنزلة الفرس الأشقر يريد بالفرس الأشقر مثلاً للعرب يقولون : أشقر إن يتقدّم ينحر * وإن يتأخّر يعقر وقال الشاعر في هذا المعنى : وهل كنت إلاّ مثل سيّقة العدا * إن استقدمت نحرٌ ، وإن جبأت عقر