عبد الرحمن السهيلي

196

الروض الأنف في تفسير السيرة النبوية ( دار الفكر )

عن أن يكون مترفاً متعيناً بالإضافة ، وإنما لم يشتق منه فعل ، وإن كان مصدراً في الظاهر لما قدمناه من أنه لفظ ينبئ عن عدم ونفي ، والفعل يدل على حدث وزمان ، فكيف يشتق من شيء ليس بحدث إنما هو عبارة عن انتفاء الحدث عن كل أحد إلا عن زيد ، مثلاً إذا قلت : جاءني زيد وحده ، أي : لم يجئ غيره ، وإنما يقال : انعدم وانتفى بعد الوجود لا قبله ، لأنه أمر متجدد كالحدث ، وقد أطنبنا في هذا الغرض ، وردناه بياناً في مسألة سبحان الله وبحمده وشرحها . جبلا طئ : فصل : وذكر الرجل الذي طرحته الريح بجبلي طيئ ، وهما أجأ وسلمى وعرف أجأ بأجأ بن عبد الحي كان صلب في ذلك الجبل ، وسلمى صلبت في الجبل الآخر ، فعرف بها ، وهي سلمى بنت حام فيما ذكر والله أعلم . الكتاب الذي أرسل لأكيدر دومة : فصل : وذكر كتابه لأكيدر دومة . ودومة بضم الدال هي هذه ، وعرفت بدومي بن إسماعيل فيما ذكروا ، وهي دومة الجندل ، ودومة بالضم أخرى ، وهي عند الحيرة ، ويقال لما حولها : النجف ، وأما دومة بالفتح فأخرى مذكورة في أخبار الردة . وذكر أنه كتب لأكيدر دومة كتاباً فيه عهد وأمان ، قال أبو عبيد : أنا قرأته ، أتاني به شيخ هنالك في قضيم ، والقضيم الصحيفة ، وإذا فيه : بسم الله الرحمن الرحيم من محمد رسول الله لأكيدر حين أجاب إلى الإسلام ، وخلع الأنداد والأصنام مع خالد بن الوليد سيف الله في دومة الجندل وأكنافها ، إن لنا الضاحية من الضحل والبور والمعامي ، وأغفال الأرض والحلقة والسلاح والحافر والحصن ولكم الضامنة من النخل والمعين من المعمور لا تعدل سارحتكم ، ولا تعد فأردتكم ولا يحظر عليكم النبات ، تقيمون الصلاة لوقتها ، وتؤتون الزكاة بحقها ، عليكم بذلك عهد الله والميثاق ، ولكم بذلك الصدق والوفاء . شهد الله ، ومن حضر من المسلمين الضاحية : أطراف الأرض ، والمعامي : مجهولها ، وأغفال الأرض : ما لا أثر لهم فيه من عمارة أو نحوها ، والضامنة ن النخل : ما داخل بلدهم ، ولا يحظر عليكم النبات ، أي : لا تمنعون من الرعي حيث شئتم ، ولا تعدل سارحتكم ، أي : لا تحشر إلى المصدق وإنما أخذ منهم بعض هذه الأرضين مع الحلقة ، وهي السلاح ، ولم يفعل ذلك مع أهل الطائف حين جاؤوا تائبين ، لأن هؤلاء ظهر عليهم وأخذ ملكهم أسيراً ، ولكنه أبقى لهم من أموالهم ما تضمنه الكتاب ، لأنه لم يقاتلهم ، حتى يأخذهم عنوةً كما أخذ خيبر ، فلو كان الأمر كذلك لكانت أموالهم كلها للمسلمين ، وكان له الخيار في رقابهم كما تقدم ولو جاؤوا إله تائبين أيضاً قبل الخروج إليهم ، كما فعلت ثقيف ما أخذ من أموالهم شيئاً . أمر هرقل : ولم يذكر ابن إسحاق في غزوة تبوك ما كان من أمر هرقل ، فإن النبي صلى الله عليه وسلم كتب إليه من تبوك مع دحية بن خليفة ، ونصه مذكور في الصحاح مشهور ، فأمر هرقل منادياً ينادي : ألا إن هرقل قد آمن بمحمد واتبعه ، فدخلت الأجناد في سلاحها ، وأطافت بقصره تريد قتله ، فأرسل إليهم : إني أردت أن أختبر صلابتكم في دينكم ، فقد رضيت عنكم فرضوا عنه ، ثم كتب كتاباً ، وأرسله مع دحية يقول فيه للنبي صلى الله عليه وسلم إني مسلم ، ولكني مغلوب على أمري ، وأرسل إليه بهدية ، فلما قرأ النبي صلى الله عليه وسلم كتابه ، قال : كذب عدو الله ليس بمسلم ، بل هو على نصرانيته . حكم الاهداء له صلى الله عليه وسلم : وقيل : هديته ، وقسمها بين المسلمين ، وكان لا يقبل هدية مشرك محارب ، وإنما قبل هذه لأنها فيء للمسلمين ، ولذلك قسمها عليهم ، ولو أتته في بيته كانت له خالصة ، كما كانت هدية المقوقس خالصةً له ، وقبلها من المقوقس ؛ لأنه لم يكن محارباً للإسلام ، بل كان قد أظهر الميل إلى الدخول في الدين ، وقد رد هدية أبي براء