عبد الرحمن السهيلي
17
الروض الأنف في تفسير السيرة النبوية ( دار الفكر )
وأراد رفع المجاز سماه ، فجاز تحقيقاً للمعنى ، أي : مثل هذه الفعلة ينبغي أن تسمى باسم الفجور حقيقةً ، وكذلك قالوا في النداء : يا فساق ويا فسق فجاءوا بالصيغة المعروفة العلمية المعروفة مع النداء خاصة ، أي : إن هذا الاسم ينبغي أن يكون اسمه الذي يدعى به ، إذ الاسم العلم ألزم لمسماه من اسم مشتق من فعل فعله ، لأن الفعل لا يثبت ، والاسم العلم يثبت ، فهذا هو معزاهم في هذه الأسماء التي هي على صيغ الأعلام في هذه المواطن ، فتأملها ، وقد بسطنا هذه الغرض بسطاً شافياً في أسرار ما ينصرف ، وما لا ينصرف ، فلتنظر هنالك ، فثم ترى سر بنائها على الكسر مع ما يتصل بمعانيها إن شاء الله ، وألفيت في حاشية الشيخ رحمه الله على قوله : فشكوا بالرماح فشلوا باللام الرواية الصحيحة ، وحقيقة المعنى ، ووقع في الأصلين : فشكوا بالكاف كما في هذا الأصل . إلى ها هنا انتهى كلام الشيخ ، والشل باللام : الطرد ، والشك بالكاف : الطعن كما قال : شكّ الفريضة بالمدرى فأنفذها وقوله : رهواً أي : مشياً بسكون ، ويقال : لمستنقع الماء أيضاً رهو والرهو أسماء الكركي ، والرهو : المرآة الواسعة . وقوله : روادي ، أي : تردي بفرسانها ، أي : تسرع . وقول حسان في خيل عيينة : قولّوا سراعاً كشدّ النّعا * م لم يكشفوا عن ملطّ حصيرا أي : لم يغنموا بعيراً ، ولا كشفوا عنه حصيراً ، يعني : بالحصير ما يكنف به حول الإبل من عيدان الحظيرة ، والملط من قولهم : لطت الناقة ، وألطت بذنبها إذا أدخلته بين رجليها . غزوة بني المصطلق وهم بنو جذيمة بن كعب من خزاعة ، فجذيمة هو المصطلق وهو مفتعل من الصلق ، وهو رفع الصوت . وذكر المريسيع ، وهو ماء لخزاعة ، وهو من قولهم : رسعت عين الرجل : إذا دمعت من فساد . وذكر سنان بن وبرة وقال غيره : هو سنان بن تميم من جهينة بن سود بن أسلم حليف الأنصار . تحريم دعوى الجاهلية : وذكر أنه نادى : يا للأنصار ، ونادى جهجاه الغفاري يا للمهاجرين ، ولم يذكر ما قال النبي صلى الله عليه وسلم حين سمعهما ، وفي الصحيح أنه عليه السلام حين سمعهما منهما ، قال : دعوها فإنها منتنة ، يعني : إنها كلمة خبيثة ، لأنها من دعوى الجاهلية ، وجعل الله المؤمنين إخوةً وحزباً واحداً ، فإنما ينبغي أن تكون الدعوة يا للمسلمين ، فمن دعا في الإسلام بدعوى الجاهلية فيتوجه للفقهاء فيها ثلاثة أقوال : أحدها : أن يجلد من استجاب لها بالسلاح خمسين سوطاً اقتداءً بأبي موسى الأشعري في جلده النابغة الجعدي خمسين سوطاً ، حين سمع : يا لعامر ، فأقبل يشتد بعصبة له . والقول الثاني : إن فيها الجلد دون العشرة لنهيه عليه السلام أن يجلد أحد فوق العشرة إلا في حد ، والقول الثالث : اجتهاد الإمام في ذلك على حسب ما يراه من سعد الذريعة وإغلاق باب الشر ، إما بالوعيد ، وإما بالسجن ، وإما بالجلد . فإن قيل : إن النبي صلى الله عليه وسلم لم يعاقب الرجلين حين دعوا بها قلنا : قد قال : دعوها فإنها منتنة ، فقد أكد النهي ، فمن عاد إليها بعد هذا النهي ، وبعد وصف النبي صلى الله عليه وسلم لها بالإنتان وجب