عبد الرحمن السهيلي
163
الروض الأنف في تفسير السيرة النبوية ( دار الفكر )
إنما قال هذا جواباً للأنصار ، لأنهم بنو حارثةً بن ثعلبة بن عمرو بن عامر ، وعمرو وهو مزيقياء ، وعامر هو ماء السماء ، ولم يرد أن الأنصار جربتهم قبل ذلك ، وإنما أراد إخوتهم ، وهم خزاعة لأنهم بنو ربيعة بن حارثة بن عمرو بن عامر في أحد القولين ، وقد كانوا حاربوهم عند نزولهم مكة ، وقال البكري في معنى هذا البيت : إنما أراد بني عمرو بن عامر بن صعصعةً ، وكانوا مجاورين لثقيف وأمهم عمرة بنت عامر بن الظرب العدواني ، وأختها زينب كانت تحت ثقيف ، وأكثر قبائل ثقيف منها ، وكانت ثقيف قد أنزلت بني عمرو بن عامر في أرضهم ليعملوا فيها ، ويكون لهم النصف في الزرع والثمر ، ثم إن ثقيفاً منعتهم ذلك ، وتحصنوا منهم بالحائط الذي بنوه حول حاضرهم ، فحاربتهم بنو عمرو بن عامر ، فلم يظفروا منهم بشيء ، وجلوا عن تلك البلاد ، ولذلك يقول كنانة : * وقد جرّبتنا قبل عمرو بن عامر * البيت ذكره البكري في خبر طويل لخصته . أول من رمى بالمنجنيق في الجاهلية والإسلام : فصل : وذكر حصار الطائف ، وأن أول من رمى بالمنجنيق في الإسلام النبي صلى الله عليه وسلم . قال المؤلف : وأما في الجاهلية : فيذكر أن جذيمة بن مالك بن فهم بن غنم بن دوس ، وهو المعروف بالأبرش أول من رمى بالمنجنيق ، وكان من ملوك الطوائف ، وكان يرعف بالوضاح ، ويقال له أيضاً : منادم الفرقدين ، لأنه ربأ بنفسه عن منادمة الناس ، فكان إذا شرب نادم الفرقدين عجباً بنفسه ، ثم نادم بعد ذلك مالكاً وعقيلاً اللذين يقول فيهما متمم بن نويرة يرثي أخاه مالكاً . وكنّا كندماني جذيمة حقبة * من الدّهر حتى قيل لن يتصدّعا ويذكر أيضاً أنه أول من أوقد الشمع . غيلان بن سلمة وابنته بادية : وذكر حلي بادية بنت غيلان ، وهو غيلان بن سلمة الثقفي ، وهو الذي أسلم ، وعنده عشر نسوة ، فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يمسك أربعاً ، ويفارق سائرهن ، فقال فقهاء الحجاز : يختار أربعاً ، وقال فقهاء العراق : بل يمسك التي تزوج أولاً ، ثم التي تليها إلى الرابعة ، واحتج فقهاء الحجاز بأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يستفصله أيتهن تزوج أول ، وتركه للاستفصال دليل على أنه مخير حتى جعل الأصليون منهم هذا أصلاً من أصول العموم ، فقال أبو المعالي في كتاب البرهان : ترك الاستفصال في حكايات الأحوال مع الاحتمال يتنزل منزلة العموم في المقال ، كحديث غيلان . وغيلان هذا هو الذي قدم على كسرى ، فسأله أي ولده أحب إليه ؟ فقال غيلان : الغائب حتى يقدم ، والمريض حتى يفيق ، والصغير حتى يكبر ، فقال له كسرى : ما غذاؤك في بلدك ؟ قال : الخبز . قال : هذا عقل الخبز ، تفضيلاً لعقله على عقول أهل الور ، ونسب المبرد هذه الحكاية مع كسرى إلى هوذة بن علي الحنفي ، والصحيح عند الإخباريين ما قدمناه ، وكذلك قال أبو الفرج . بادية بنت غيلان وأما بادية ابنته ، فقد قيل فيها : بادنة بالنون والصحيح بالياء ، وكذلك روي عن مالك ، وهي التي قال فيها هيت المخنث لعبد الله بن أبي أمية : إن فتح الله عليكم الطائف ، فإني أدلك على بادية بنت غيلان ، فإنها تقبل بأربع وتدبر بثمان ، فسمعه النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال : قاتلك الله لقد أمعنت النظر ، وقال : لا يدخلن هؤلاء عليكن ثم نفاه إلى روضة خاخ ، فقيل : إنه يموت بها جوعاً فأذن له أن يدخل المدينة كل جمعة يسأل الناس ، ويروى في الحديث زيادة لم تقع في الصحيح بعد قوله : وتدبر بثمان مع ثغر كالأقحوان ، إن قامت تثنت ، وإن قعدت تبنت ، وإن تكلمت تغنت ، يعني من الغنة ، والأصل تغننت ، فقلبت إحدى النونين ياء ، وهي هيفاء ، شموع نجلاء كما قال قيس بن الخطيم :