عبد الرحمن السهيلي
143
الروض الأنف في تفسير السيرة النبوية ( دار الفكر )
لأنه جعله كالقيد ، ومثله ما ذكرناه قبل في : نصب غمائم الأبصار ، على الحال ، وليس هذا من باب ما منعه سيبويه حين قال معترضاً على الخليل : لو قلت مررت بقصير الطويل ، تريد : مثل الطويل ، لم يجز ، والذي أراده الخليل هو ما ذكرناه في غير موضع من استعارة الكلمة على جهة التشبيه ، نحو قيد الأوابد ، وأنوف الناس تريد : أشرافهم ، فمثل هذا يكون وصفاً للنكرة وحالاً من المعرفة ، وقد ألحق بهذا الباب : له صوت صوت الحمار ، على الصفة ، وضعفه سيبويه في الحال ، وهو في الصفة أقبح ، وإنما ألحقه الخليل بما تنكر ، وهو مضاف إلى معرفة من أجل تكرر اللفظ فيه ، فحسن لذلك . وقوله : وأسلمت النصور . ذكر البرقي أن النصور ها هنا جمع : ناصر ، وليس هو عندي كذلك . فإن فاعلاً قل ما يجمع على فعول ، وإن جمع فليس هو بالقياس المطرد ، وإنما هم بنو نصر من هوازن رهط مالك بن عوف النصري يقال لهم : النصور ، كما يقال لبني المهلب : المهالبة ، ولبني المنذر : المناذرة ، وكما يقال الأشعرون ، وهم بنو أشعر بن أدد ، والتوتيات لبني توبت بن أسد . جمح أخ وابن وقوله : إنا أخوكم ، جمع أخاً جمعاً مسلماً بالواو والنون ، ثم حذفت النون للإضافة ، كما أنشدوا : ولما تبيّنّ أصواتنا بكّين * وفدّيننا بالأبينا ويجوز أن يكون وضع الواحد موضع الجميع ، كما تقدم في قوله : أنتم الولد ، ونحن الولد . من وصف الزبير وقوله في صفة الزبير : طويل الباد ، أي : الفخر ، والبدد : تباعد ما بين الفخذين . الممنوعون من القتل : وقوله في المرأة المقتولة : أدرك خالداً ، فقال : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهاك أن تقتل وليداً ، أو امرأةً ، أو عسيفاً العسيف : الأجير ، وهذا منتزع من كتاب الله تعالى ، لأنه يقول : « وقاتلوا في سبيل اللّه الذين يُقَاتِلُونَكم » البقرة فاقتضى دليل الخطاب ألا تقتل المرأة إلا أن تقاتل ، وقد أخطأ من قاس مسألة المرتدة على هذا المسألة ، فإن المرتدة لا تسترق ولا تسبى ، كما تسبى نساء الحرب وذراريهم ، فتكون مالاً للمسلمين ، فنهى عن قتلهن لذلك . رفع اليدين في الدعاء : وذكر فيمن استشهد أبا عامر ، واسمه : عبيد بن سليم بن حصار ، وهم عم أبي موسى عبد الله بن قيس الأشعري ، وهو الذي استغفر له رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قتل رافعاً يديه جداً ، يقول : اللهم اغفر لعبيد أبي عمر ثلاثاً ، وفيه من الفقه رفع اليدين في الدعاء ، وقد كرهه قوم ، روى عبد الله بن عمر أنه رأى قوماً يرفعون أيديهم في الدعاء ، فقال : أوقد رفعوها ؟ قطعها الله ، والله لو كانوا بأعلى شاهق ما ازدادوا من الله بذلك قرباً ، وذكر لمالك أن عامر بن عبد الله بن الزبير كان يدعو بأثر كل صلاة ، ويرفع يديه ، فقال : ذلك حسن ، ولا أرى أن يرفعهما جداً . وحجة من رأى الرفع أحاديث منها ما ذكرناه آنفاً ، ومنها حديث تقدم في سرية الغميصاء حين رفع النبي صلى الله عليه وسلم يديه ، وقال : اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد بن الوليد ثلاث مرات ولكل شيء وجه ، فمن كره ، فإنما كره الإفراط في الرفع كما كره رفع الصوت بالدعاء جداً . قال صلى الله عليه وسلم : أربعوا على أنفسكم ، فإنكم لا تدعون أصم ولا غائباً ، وهو معنى قول مالك الذي قدمناه في رفع اليدين . شاهت الوجوه : فصل : ومما ذكره في غزوة حنين من غير رواية ابن إسحاق الحفنة التي أخذها النبي صلى الله عليه وسلم من البطحاء ، وهو على بغلته ، فرمى بها أوجه الكفار ، وقال : شاهت الوجوه ، فانهزموا . والمستقبل من شاهت : تشاه ، لأن وزنه فعل ، وفيه أن البغلة حضجت به إلى الأرض حين أخذ الحفنة ، ثم قامت به ، وفسروا