عبد الرحمن السهيلي
141
الروض الأنف في تفسير السيرة النبوية ( دار الفكر )
أنا النبيّ لا كذب * أنا ابن عبد المطّلب وهو كلام موزون ، وقد تقدم الكلام في مثل هذا ، وأنه ليس بشعر حتى يقصد به الشعر . وللخطابي في كتاب الأعلام تنبيه على قوله : أنا ابن عبد المطلب ، قال : إنما خص عبد المطلب بالذكر في هذا المقام ، وقد انهزم الناس تشبيهاً لنبوته ، وإزالة للشك لما اشتهر ، وعرف من رؤيا عبد المطلب المبشرة بالنبي صلى الله عليه وسلم ، وقد تقدم ذكرها ، ولما أنبأت به الأحبار والرهبان ، فكأنه يقول : أنا ذاك ، فلا بد مما وعدت به لئلا ينهزموا عنه ، ويظنوا أنه مقتول ومغلوب ، فالله أعلم أأراد ذلك رسوله أم لا ؟ شيبة يحاول قتل الرسول صلى الله عليه وسلم : وذكر قصة شيبة بن عثمان حين أراد قتل النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : فجاء شيء حتى تغشى فؤادي ، وقد ذكر هذا الخبر أبو بكر بن أبي خيثمة في تاريخه ، قال شيبة : اليوم آخذ بثأري ، فجئت النبي صلى الله عليه وسلم من خلفه ، فلما هممت به حال بيني وبينه خندق من نار وسور من حديد ، قال : فالتفت إلى النبي صلى الله عليه وسلم وتبسم ، وعرف الذي أردت ، فمسح صدري ، وذهب عني الشك ، أو كما قال ، ذهب عني بعض ألفاظ الحديث . حكم الفرار من القتال : وذكر أم سليم وهي مليكة بنت ملحان ، وقال في اسمها رميلة ، ويقال : سهيلة ، وتعرف بالغميصاء والرميصاء لرمص كان في عينيها ، وأبو طلحة بعلها هو زيد بن سهل بن الأسود بن حرام وهو القائل : أنا أبو طلحة ، واسمي : زيد * وكل يوم في سلاحي صيد وقول أم سليم : يا رسول الله اقتل هؤلاء الذين ينهزمون عنك ؟ إن قيل : كيف فر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عنه حتى لم يبق معه منهم إلا ثمانية ، والفرار من الزحف من الكبائر ، وقد أنزل الله تعالى فيه من الوعيد ما أنزل . قلنا : لم يجمع العلماء على أنه من الكبائر إلا في يوم بدر ، وكذلك قال الحسن ونافع مولى عبد الله بن عمر وظاهر القرآن يدل على هذا ، فإنه قال : « ومَن يُوَلِّهم يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ » الأنفال فيومئذ إشارة إلى يوم بدر ، ثم نزل التحقيق من بعد ذلك في الفارين يوم أحد وهو قوله : « ولقد عفا اللّه عنهم » آل عمران وكذلك أنزل في يوم حنين : « ويوم حُنَيْنٍ إذ أَعجَبَتْكُم كَثْرَتُكم » إلى قوله : « غفور رحيمٌ » التوبة وفي تفسير ابن سلام : وكان الفرار من الزحف يوم بدر من الكبائر ، وكذلك يكون من الكبائر في ملحمة الروم الكبرى ، وعند الدجال ، وأيضاً فإن المنهزمين عنه عليه السلام رجعوا لحينهم ، وقاتلوا معه حتى فتح الله عليهم . حول رجز مالك : وقول مالك في وجزه : * قد أطعن الطّعنة تقذي بالسّبر * السبر : جمع سابر ، وهو الفتيل الذي يسبر به الجرح أي : يخبر . وقوله في الرجز الآخر : * أقدم محاج إنها الأساورة * وقول ابن هشام : هما لغير مالك في غير هذا اليوم ، يعني يوم القادسية ، وكانت الدولة فيه للمسلمين على الفرس ، والأساورة : ملوك الفرس ، وقتل في ذلك اليوم رستم ملكهم دون الملك الأكبر ، وكان على المسلمين يومئذ سعد بن أبي وقاص ، وقد ذكرنا قبل : بم سميت القادسية .