عبد الرحمن السهيلي
115
الروض الأنف في تفسير السيرة النبوية ( دار الفكر )
استدراك على ابن هشام : فصل : وذكر حديث أبي شريح الخزاعي ، واسمه : خويلد بن عمرو ، وقيل : عمرو بن خويلد ، وقيل : كعب بن عمرو ، وقيل : هانئ بن عمرو ، قال : لما قدم عمرو بن الزبير مكة لقتال أخيه عبد الله بن الزبير بمكة ، هذا وهم من ابن هشام ، وصوابه : عمرو بن سعيد بن العاصي بن أمية ، وهو الأشدق ، ويكنى أبا أمية ، وهو الذي كان يسمى لطيم الشيطان ، وكان جباراً شديد البأس ، حتى خافه عبد الملك على مكة ، فقتله بحيلة في خبر طويل ، ورأى رجل عند موته في المنام قائلاً يقول : ألا يا لقومي للسّفاهة والوهن * وللعاجز الموهون والرّأي ذي الأفن ولابن سعيد بينما هو قائمٌ * على قدميه خرّ للوجه والبطن رأى الحصن منجاةً من الموت فالتجأ * إليه ، فزارته المنيّة في الحصن فقص رؤياه على عبد الملك ، فأمره أن يكتمها ، حتى كان من قتله ما كان ، وهو الذي خطب بالمدينة على منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فرعف حتى سال الدم إلى أسفله فعرف بذلك معنى حديث عليه السلام الذي يروى عنه : كأني بجبار من بني أمية يرعف على منبري هذا حتى يسيل الدم إلى أسفله ، أو كما قال صلى الله عليه وسلم ، فعرف الحديث فيه ، فالصواب إذاً عمرو بن سعيد لا عمرو بن الزبير ، وكذلك رواه يونس بن بكير عن ابن إسحاق ، وهكذا وقع في الصحيحين . ذكر هذا التنبيه على ابن هشام أبو عمر رحمه الله في كتاب الأجوبة عن المسائل المستغربة ، وهي مسائل من كتاب الجامع للبخاري تكلم عليها في ذلك الكتاب ، وإنما دخل الوهم على ابن هشام أو على البكائي في روايته من أجل عمرو بن الزبير ، كان معادياً لأخيه عبد الله ومعيناً لبني أمية عليه في تلك الفتنة ، والله أعلم . أم حكيم بنت الحارث : فصل : وذكر أم حكيم بنت الحارث ، وكانت تحت عكرمة بن أبي جهل ، وأنها اتبعته حين فر من الإسلام ، فاستأمنت له رسول الله صلى الله عليه وسلم ، واستشهد عكرمة بالشام ، فخطبها يزيد بن أبي سفيان . وخالد بن سعيد . فخطبت إلى خالد ، فتزوجها ، فلما أراد البناء بها ، وجموع الروم قد احتشدت ، قالت له : لو أمهلت حتى يفض الله جمعهم ، قال : إن نفسي تحدثني أني أصاب في جموعهم ، فقالت : دونك ، فابتنى بها ، فلما أصبح التقت الجموع وأخذت السيوف من كل فريق مأخذها فقتل خالد ، وقاتلت يومئذ أم حكيم ، وإن عليها للردع الخلوق ، وقتلت سبعة من الروم بعمود الفسطاط بقنطرة تسمى إلى اليوم بقنطرة أم حكيم وذلك في غزوة أجنادين . دم ربيعة بن الحارث : وذكر في خطبة النبي صلى الله عليه وسلم : ألا كل مأثرة أو دم أو مال يدعى ، فهو تحت قدمي هاتين ، وفي بعض روايات الحديث : وأول دم أضعه دم ربيعة بن الحارث . كان لربيعة ابن قتل في الجاهلية اسمه آدم ، وقيل : تمام ، وهو ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب ، مات في خلافة عمر رضي الله عنه سنة ثلاث وعشرين . التخيير بين القصاص والدية : فصل : وذكر في حديث ابن شريح قوله عليه السلام : فمن قتل بعد مقامي هذا ، فأهله بخير النظرين . إن شاءوا فدم قاتله ، وإن شاءوا فعقله ، وهو حديث صحيح ، وإن اختلفت فيه ألفاظ الرواة وظاهره على هذه الرواية أن ولي الدم ، هو المخير إن شاء أخذ الدية ، وهو العقل ، وإن شاء قتل ، وقد اختلف الفقهاء في فصل من هذه المسألة ، وهو أن يختار ولي المقتول أخذ الدية ، ويأبى القاتل إلا أن يقتص منه ، فقالت طائفة بظاهر الحديث : ولا اختيار للقاتل ، وقالت طائفة : يقتل القاتل ، ولا يجبر على إعطاء المال ، وتأولوا الحديث ، وهي رواية ابن القاسم ، وقال بها طائفة من السلف ، وقال آخرون بظاهر الحديث ، وهو قول الشافعي ، وأشهب ، ومنشأ الاختلاف من الاحتمال في قوله تعالى : « فمن عُفِي له مِنْ أخيه شَيْءٌ فاتِّبَاعُ بالمَعْروفِ » البقرة فاحتملت الآية عند قوم أن تكون من واقعةً على ولي المقتول ، ومن أخيه أي : من وليه المقتول ، أي : من ديته ، وعفي له أي : يسر له شيء من المال ، واحتمل