عبد الرحمن السهيلي

103

الروض الأنف في تفسير السيرة النبوية ( دار الفكر )

« قُلِ الأنفالُ لِلَّهِ والرَّسولِ » الأنفال والثاني فيما خص الله تعالى به مكة فإنه جاء : لا تحل غنائمها ، ولا تلتقط لقطتها ، وهي حرم الله تعالى وأمنه ، فكيف تكون أرضها أرض خراج ، فليس لأحد افتتح بلداً أن يسلك به سبيل مكة ، فأرضها إذاً ودورها لأهلها ، ولكن أوجب الله عليهم التوسعة على الحجيج إذا قدموها ، ولا يأخذوا منهم كراءً في مساكنها ، فهذا حكمها فلا عليك بعد هذا ، فتحت عنوةً أو صلحاً ، وإن كانت ظواهر الحديث أنها فتحت عنوةً . الهذلي الذي قتل : وذكر الهذلي الذي قتل ، وهو واقف ، فقال : أقد فعلتموها يا معشر خزاعة ، وروى الدارقطني في السنن أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : لو كنت قاتل مسلم بكافر لقتلت خراشاً بالهذلي ، يعني بالهذلي : قاتل ابن أثوع ، وخراش هو قاتله ، وهو من خزاعة . هل تعيذ الكعبة عاصياً : فصل : وذكر قصة ابن خطل ، واسمه : عبد الله ، وقد قيل في اسمه : هلال ، وقد قيل : هلال كان أخاه ، وكان يقال لهما : الخطلان ، وهما من بني تيم بن غالب بن فهر ، وأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بقتله ، وهو متعلق بأستار الكعبة ، ففي هذا أن الكعبة لا تعيذ عاصياً ، ولا تمنع من إقامة حد واجب ، وأن معنى قوله تعالى : « وَمَنْ دخله كان آمناً » إنما معناه الخبر عن تعظيم حرمة الحرم في الجاهلية نعمة منه على أهل مكة ، كما قال تعالى : « جَعَلَ اللَّهُ الكَعْبَةَ البيتَ الحَرَامَ قِياماً للنّاس » إلى آخر الآية ، المائدة فكان في ذلك قوام للناس ، ومصلحة لذرية إسماعيل صلى الله عليه وسلم وهم قطان الحرم ، وإجابة لدعوة إبراهيم عليه السلام حيث يقول : اجعل أفئدةً من الناس تهوي إليهم ، وعندما قتل النبي صلى الله عليه وسلم ابن خطل قال : لا يقتل قرشي صبراً بعد هذا ، كذلك قال يونس في روايته . صلاة الفتح : فصل : وذكر صلاة النبي صلى الله عليه وسلم في بيت أم هانئ ، وهي صلاة الفتح ، تعرف بذلك عند أهل العلم ، وكان الأمراء يصلونها إذا افتتحوا بلداً . قال الطبري : صلى سعد بن أبي وقاص ، حين افتتح المدائن ، ودخل إيوان كسرى ، قال : فصلى فيه صلاة الفتح ، قال : وهي ثماني ركعات لا يفصل بينها ، ولا تصلى بإمام ، فبين الطبري سنة هذه الصلاة وصفتها ، ومن سنتها أيضاً أن لا يجهر فيها بالقراءة ، والأصل ما تقدم من صلاة النبي صلى الله عليه وسلم في حديث أم هانئ وذلك ضحى . أم هانئ : وأم هانئ اسمها : هند تكنى بابنها هانئ بن هبيرة ، ولها ابن من هبيرة اسمه يوسف ، وثالث وهو الأكبر اسمه : جعدة ، وقيل : إياه عنت في حديث مالك ، زعم ابن أمي على أنه قاتل رجلاً أجرته فلان بن هبيرة ، وقد قيل في اسم أم هانئ : فاختة . عبد الله بن أبي سرح : فصل : وذكر عبد الله بن سعد بن أبي سرح أحد بني عامر بن لؤي يكنى أبا يحيى ، وكانت كاتب النبي صلى الله عليه وسلم ثم ارتد ولحق بمكة ، ثم أسلم وحسن إسلامه ، وعرف فضله وجهاده ، وكان على ميمنة عمرو بن العاصي حين افتتح مصر ، وهو الذي افتتح إفريقية سنة سبع وعشرين ، وغزا الأساود من النوبة ، ثم هادنهم الهدنة الباقية إلى اليوم ، فلما محمد بن أبي حذيفة على عثمان رضي الله عنه اعتزل الفتنة ، ودعا الله عز وجل أن يقبضه ، ويجعل وفاته بأثر صلاة الصبح ، فصلى بالناس الصبح ، وكان يسلم تسليمتين عن يمينه ، وعن شماله ، فلما سلم التسليمة الأولى عن يمينه ، وذهب ليسلم الأخرى ، قبضت نفسه ، وكانت وفاته بعسفان ، وهو الذي يقول في حصار عثمان : أرى الأمر لا يزداد إلاّ تفاقما * وأنصارنا بالمكّتين قليل وأسلمنا أهل المدينة والهوى * إلى أهل مصر والذّليل ذليل