عبد الرحمن السهيلي

17

الروض الأنف في تفسير السيرة النبوية ( دار الفكر )

وأما مهيعة ، فقد اشتد الوباء فيها بسبب هذه الدعوة ، حتى قيل : إن الطائر يمر بغدير خم فيسقم ، وغدير خم فيها ، ويقال : إنها ، ما ولد فيها مولود فبلغ الحلم ، وهي أرض بجعة لا تسكن ، ولا يقام فيها إقامة دائمة فيما بلغني والله أعلم . وذكر تحريم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة ، وفي غير هذه الرواية عن ابن إسحاق عن شرحبيل بن سعد ، قال : كنت أصطاد في حرم المدينة بالوقاقيص ، وهي شباك الطير ، فاصطدت نهساً ، فأخذه زيد بن ثابت ، وصك في قفاي ، ثم أرسله . وذكر حديث عبد الله بن عمرو ، وقوله عليه السلام : صلاة القاعد على النصف من صلاة القائم حين رآهم يصلون قعوداً من الوعك ، قال : فتجشم الناس القيام على ما بهم من السقم ، وهذا الحديث بهذا اللفظ يقوي ما تأوله الخطابي في صلاة القاعد أنها على النصف من صلاة القائم ، ثم قال الخطابي : إنما ذلك للضعيف الذي يستطيع القيام بكلفة ، وإن كان عاجزاً عن القيام البتة ، فصلاته مثل صلاة القائم ، وهذا كله في الفريضة ، والنافلة ، وخالف أبو عبيد في تخصيصه هذا الحديث بصلاة النافلة في حال الصحة ، واحتج الخطابي بحديث عمران بن حصين ، وفيه : وصلاته قائماً على النصف من صلاته قاعداً ، قال : وقد أجمعت الأمة أن لا يصلي أحد مضطجعاً إلا من مرض ، فدل على أنه لم يرد بهذا الحديث كله إلا المريض الذي يقدر على القيام بكلفة ، أو على القعود بمشقة ، ونسب بعض الناس النسوي إلى التصحيف في هذا الحديث ، وقالوا : إنما هو وصلاته نائماً على النصف من صلاته قاعداً ، فتوهمه النسوي قائماً ، أي مضطجعاً ، فترجم عليه في كتابه : باب صلاة النائم ، وليس كما قالوا ، فإن في الرواية الثانية : وصلاة النائم على النصف من صلاة القاعد ، ومثل هذا لا يتصحف ، وقول الخطابي : أجمعت الأمة على أن المضطجع لا يصلي في حال الصحة نافلةً ولا غيرها ، وافقه أبو عمر على ادعاء الإجماع في هذه المسألة ، وليست بمسألة إجماع كما زعما ، بل كان من السلف من يجيز للصحيح أن يتنفل مضطجعاً ، منهم الحسن البصري ، ذكر ذلك أبو عيسى الترمذي في مصنفه .