عبد الرحمن السهيلي
254
الروض الأنف في تفسير السيرة النبوية ( دار الفكر )
رفع يداها ورجلاها رفع الفاعل ، لأن المواهقة ، لا تكون إلا من اثنين ، فكل واحد منهما فاعل في المعنى كما ذكروا في قول الراجز : قد سالم الحيّات منه القدما * الأفعوان والشّجاع الشّجعما هكذا تأوله سيبويه ولعله هذا الشاعر كان من لغته أن يجعل التثنية بالألف في الرفع والنصب والخفض كما قال : تزوّد منّا بين أُذناه طعنةً * دعته إلى هابي التّراب عقيم وكما قال الآخر : * قد بلغا في المجد غايتاها * وهي لغة بني الحارث بن كعب ، قاله أبو عبيد . وقال النحاس في الكتاب المقنع : هي أيضاً لغة لخثعم وطيئ وأبطن من كنانة ، والبيت أعني : تواهق رجلاها يداها ، هو لأوس بن حجر الأسدي ، وليس ممن هذه لغته ، فالبيت إذاً على ما قاله سيبويه . مساومة جابر في جملة وما فيه من الفقه : وذكر مساومة النبي صلى الله عليه وسلم لجابر في الجمل ، حتى اشتراه منه بأوقية ، وأنه أعطاه أولاً درهماً ، فقال : لا إذاً تغبنني يا رسول الله ؛ فإن كان أعطاه الدرهم مازحاً ، فقد كان يمزح ، ولا يقول إلا حقاً ، فإذا كان حقاً ، ففيه من الفقه إباحة المكايسة الشديدة في البيع ، وأن يعطي في السلعة ما لا يشبه أن يكون ثمناً لها بنص الحديث ، وفي دليله أن من اشترى سلعةً بما لا يشبه أن يكون لها ثمناً ، وهو عاقل بصير ، ولم يكن في البيع تدليس عليه ، فهو بيع ماض لا رجوع فيه ، وروي من وجه صحيح أنه كان يقول له كلما زاد له درهماً قد أخذته بكذا والله يغفر لك ، فكأنه عليه السلام أراد بإعطائه إياه درهماً درهماً أن يكثر استغفاره له ، وفي جمل جابر هذا أمور من الفقه سوى ما ذكرنا ، وذلك أن طائفةً من الفقهاء احتجوا به في جواز بيع وشرط ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم شرط له ظهره إلى المدينة ، وقالت طائفة : لا يجوز بيع وشرط ، وإن وقع فالشرط باطل ، والبيع باطل ، واحتجوا بحديث عمرو بن شعيب عن أبيه شعيب عن جد أبيه عبد الله بن عمرو بن العاصي أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن شرط وبيع ، وعن بيع وسلف . شعيب لا يروي عن أبيه وإنما عن جده : وقد روى أبو داود هذا الحديث ، فقال : عن عمرو بن شعيب عن أبي شعيب عن أبيه محمد بن عبد الله بن عمرو عن أبيه عبد الله بن عمرو . وهذه رواية مستغربة عند أهل الحديث جداً ، لأن المعروف عندهم أن شعيباً إنما يروي عن جده عبد الله ، لا عن أبيه محمد لأن أباه محمداً مات قبل جده عبد الله ، فقف على هذه التنبيهة في هذا الحديث ، فقل من تنبه إليها ، وقالوا : حجة في حديث جابر لما فيه من الاضطراب ، فقد روي