عبد الرحمن السهيلي
29
الروض الأنف في تفسير السيرة النبوية ( دار الفكر )
مالك بن أنس ، روى إسماعيل بن صالح عنه أنه أخرج لهم كتباً مشدودةً ، فقال : هذه كتبي صححتها ورويتها ، فارووها عني ، فقال له إسماعيل بن صالح : فنقول : حدثنا مالك ؟ قال : نعم ، روى قصة إسماعيل هذه الدارقطني في كتاب رواة مالك رحمه الله . أولاد الحضرمي : وذكر عمرو بن الحضرمي ، وكانوا ثلاثةً : عمراً وعامراً والعلاء ، فأما العلاء فمن أفاضل الصحابة ، وأختهم الصعبة أم طلحة بن عبيد الله ، وكانت قبل أبيه عند أبي سفيان بن حرب ، وفيها يقول حين فارقها : وإني وصعبةً فيما نرى * بعيدان والودّ ودٌّ قريب فإن لا يكن نسبٌ ثاقبٌ * فعند الفتاة جمالٌ وطيب فيال قصي ألا تعجبون * إلى الوبر صار الغزال الرّبيب وفي نسب بني الحضرمي اضطراب ، فقد قيل ما قاله ابن إسحاق ، وقيل : هو عبد الله بن عماد بن ربيعة ، وقيل : ابن عياد ، وابن عباد بالباء ، والذي ذكره ابن إسحاق أصح ، وهم من الصدف ، ويقال فيه : الصدف بكسر الدال ، قاله ابن دريد ، والصدف : مالك بن مرتع بن ثور وهو كندة وقد قدمنا ما قيل في اسم كندة وفي معناه في المبعث ، وقد قيل في الصدف : هو ابن سمال بن دعمي بن زياد بن حضرموت ، وقيل في حضرموت : إنه من ولد حمير بن سبأ ، وقيل : هو ابن قحطان بن عابر ، والله أعلم . تحريم القتال في الأشهر الحرم : وذكر الشهر الحرام ، وما كان من أهل السرية فيه ، وأنه سقط في أيديهم لما أصابوا فيه من الدم ، وذلك أن تحريم القتال في الأشهر الحرم كان حكماً معمولاً به من عهد إبراهيم وإسماعيل ، وكان من حرمات الله ، ومما جعله مصلحة لأهل مكة ، قال الله تعالى : « جَعَل اللَّهُ الكعبةَ البيتَ الحرام قياماً للناس والشهرَ الحرامَ » المائدة وذلك لما دعا إبراهيم لذريته بمكة ، إذ كانوا بواد غير ذي زرع أن يجعل أفئدةً من الناس تهوي إليهم ، فكان فيما فرض على الناس من حج البيت قواماً لمصلحتهم ومعاشهم ، ثم جعل الأشهر الحرم أربعةً : ثلاثةً سرداً ، وواحداً فرداً ، وهو رجب ، أما الثلاثة فليأمن الحجاج واردين إلى مكة ، وصادرين عنها شهراً قبل شهر الحج ، وشهراً بعده قدر ما يصل الراكب من أقصى بلاد العرب ، ثم يرجع ، حكمةً من الله ، وأما رجب فللعمار يأمنون فيه مقبلين وراجعين نصف الشهر للإقبال ، ونصفه للإياب ، إذ لا تكون العمرة من أقاصي بلاد العرب كما يكون الحج ، ألا ترى أنا لا نعتمر من بلاد المغرب ، فإذا أردنا عمرةً فإنما تكون مع الحج ، وأقصى منازل المعتمرين بين مسيرة خمسة عشر يوماً ، فكانت الأقوات تأتيهم في المواسم ، وفي سائر العام تنقطع عنهم ذؤبان العرب وقطاع السبل ، فكان في رجب أمان للسالكين إليها مصلحةً لأهلها ونظراً من الله لهم دبره وأبقاه من ملة إبراهيم لم يغير حتى جاء الإسلام ، فكان القتال فيه محرماً كذلك صدراً من الإسلام ، ثم أباحته آية السيف ، وبقيت حرمة الأشهر الحرم لم تنسخ ، قال الله سبحانه : « منها أربعةٌ حُرُمٌ فلا تَظْلِمُوا فيهن أنفسَكم » التوبة ، فتعظيم حرمتها باق ، وإن أبيح القتال ، وقد روي عن عطاء أن تحريم القتال فيها حكم ثابت لم ينسخ ، وقد تقدم في باب نسب النبي صلى الله عليه وسلم ذكر سعد رجب ، وهو أول من سنه للعرب فيما زعموا .