عبد الرحمن السهيلي
27
الروض الأنف في تفسير السيرة النبوية ( دار الفكر )
التنوين في الشعر من الاسم العلم كثيرة جداً ، فتأمله في أشعار السير والمغازي تجدها ، وعرضنا في شرح هذه الأشعار الواردة في كتاب السيرة أن نشرح منها ما استغلق لفظه جداً ، أو غمض إعرابه على شرطنا في أول الكتاب . كراهة رواية أشعار الكفرة : لكني لا أعرض لشيء من أشعار الكفرة التي نالوا فيها من رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا شعر من أسلم وتاب كضرار وابن الزبعرى ، وقد كره كثير من أهل العلم فعل ابن إسحاق في إدخاله الشعر الذي نيل فيه من رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن الناس من اعتذر عنه : قال حكاية الكفر ليس بكفر والشعر كلام ، ولا فرق أن يروى كلام الكفرة ومحاجتهم للنبي صلى الله عليه وسلم وردهم عليه منثوراً وبين أن يروى منظوماً ، وقد حكى ربنا سبحانه في كتابه العزيز مقالات الأمم لأنبيائها ، وما طعنوا به عليهم ، فما ذكر من هذا على جهة الحكاية نظماً أو نثراً فإنما يقصد به الاعتبار بما مضى ، وتذكر نعمة الله تعالى على الهدى ، والإنقاذ من العمى . وقد قال عليه السلام : لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحاً خير له من أن يمتلئ شعراً وتأولته عائشة رضي الله عنها في الأشعار التي هجي بها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنكرت قول من حمله على العموم في جميع الشعر ، وإذا قلنا بما روي عن عائشة في ذلك ، فليس في الحديث إلا عيب امتلاء الجوف منه . وأما رواية اليسير منه على جهة الحكاية ، أو الاستشهاد على اللغة ، فلم يدخل في النهي ، وقد رد أبو عبيد على من تأول الحديث في الشعر الذي هجي به الإسلام ، وقال : رواية نصف بيت من ذلك الشعر حرام ، فكيف يخص امتلاء الجوف منه بالذم ، وعائشة أعلم ، فإن البيت والبيتين والأبيات من تلك الأشعار على جهة الحكاية بمنزلة الكلام المنثور الذي ذموا به رسول الله صلى الله عليه وسلم لا فرق وقول عائشة الذي ، قدمناه ذكره ابن وهب في جامعه ، وعلى القول بالإباحة ، فإن للنفس تقذر تلك الأشعار وتبغضها وقائليها في الله ، فالإعراض عنها خير من الخوض فيها والتتبع لمعانيها . غزوة بواط : وبواط جبلان فرعان لأصل ، وأحدهما : جلسي ، والآخر غوري ، وفي الجلسي بنو دينار موالي بني كليب بن كثير ينسبون إلى دينار مولى عبد الملك بن مروان . ذكر فيه استخلاف رسول الله صلى الله عليه وسلم على المدينة السائب بن مظعون ، وهو أخو عثمان بن مظعون بن حبيب بن وهب بن حذافة بن جمح ، شهد بدراً في قول ابن إسحاق ، ولم يذكره موسى بن عقبة في البدريين ، وأما السائب بن عثمان وهو ابن أخي هذا ، فشهد بدراً في قول جميعهم إلا ابن الكلبي ، وقتل يوم اليمامة شهيداً . غزوة العشيرة : يقال فيها : العشيرة والعشيراء وبالسين المهملة أيضاً العسيرة والعسيراء ، أخبرني بذلك الإمام الحافظ أبو بكر رحمه الله ، وفي البخاري : أن قتادة سئل عنها فقال : العشير ، ومعنى العسيرة والعسيراء ، أنه اسم مصغر من العسراء والعسرى ، وإذا صغر تصغير الترخيم قيل : عسيرة ، وهي بقلة تكون أذنةً أي عصيفة ، ثم تكون سحاء ، ثم يقال لها : العسرى . قال الشاعر : وما منعناها الماء إلا ضنانةً * بأطراف عسرى شوكها قد تخدّدا ومعنى هذا البيت كمعنى الحديث : لا يمنع فضل الماء ليمنع به الكلأ . وأما العشيرة بالشين المنقوطة ، فواحدة العشر مصغرة .