عبد الرحمن السهيلي

144

الروض الأنف في تفسير السيرة النبوية ( دار الفكر )

وفيها يقول حسان : * دعوا فلجأت الشّام قد حال دونها * الفلجات : جمع فلج ، وهي العين الجارية ، يقال : ماء فلج ، وعين فلج ، وذكره أبو حنيفة : فلحات بالحاء المهملة ، وقال : الفلحة المزرعة . لغويات : وقوله : جلاد كأفواه المخاض الأوارك . أي : التي أكلت الأراك ، فدميت أفواهها ، والمخاض واحدتها خلفة من غير لفظها ، وهي الحامل من النوق ، وقد قيل في الواحد : ماخض ، ومنه قول الطائي : * وأخّرتها عن وقتها وهي ماخض * وعندي أن المخاض في الحقيقة ليس بجمع ، إنما هو مصدر ؛ ولذلك وصف به الجميع ، وفي التنزيل : « فأجاءَها المَخَاضُ » وقولهم : ناقة ماخض ، كقولهم : حامل ، أي : ذات مخاض ، وذات حمل ، وقد يقول الرجل لنسائه : أنتن الطلاق ، فليس الطلاق بجمع ، وإنما معناه : ذوات طلاق ، وكذلك معنى المخاض ، أي ذوات مخاض ، غير أنه قيل للواحدة : ماخض ، ولم يقل : ناقة مخاض ، أي : ذات مخاض ، كما يقال : امرأة زور وصوم ، لأن المصدر إذا وصف به فإنما يراد به الكثير ولا تكثير في حمل الواحدة ، ألا ترى أنك تقول هي أصوم الناس ، وما أصومها ، ولا يقال إذا حبلت : ما أحبلها ، لأنه شيء واحد ، كما لا يقال في الموت : ما أموتها ، فلما عدم قصد التكثير والمبالغة لم توصف به ، كما لا توصف بالسير إذا قلت : ما هي إلا سير ، فإذا كانت إبلاً كثيرةً حصل معنى الكثرة ، فوصفت بالمخاض ، وهو المصدر لذلك ، فإن قلت : فقد يقول الرجل : أنت الطلاق ، وأنت الفراق قلنا : فيه معنى التكثير والمبالغة ، ولذلك جاز لأنه شيء يتمادى ويدوم ، لا سيما إن أراد بالطلاق الطلاق كله لا واحدةً ، ولي كذلك المخاض والحمل ، فإن مدته معلومة ومقداره موقت . وقوله : بأيدي الملائك ، هو جمع ملك على غير لفظه ، ولو جمعوه على لفظه لقالوا : أملاك ، ولكن الميم من ملك زائدة فيما زعموا ، وأصله مألك من الألوك ، وهي الرسالة ، قال لبيد : وغلام أرسلته أُمّه * بألوكٍ فبذلنا ما سأل وقال الطائي : من مبلغ الفتيان عني مألكاً * أبّي متى يتثلّموا أتهدّم وأبو تمام حبيب بن أوس الطائي وإن كان متولداً ، فإنما يحتج به لتلقي أهل العربية له بالقبول وإجماعهم على أنه لم يلحن ، وإذا كان الأصل فيه مألكاً فإنما قلبوه إرادة إلغاء الهمزة ، إذ سهلوا ولو سهلوا مألكاً ، والهمزة مقدمة لم تسقط ، وإنما تسقط إذا سكن قبلها ، فقالوا : ملك ، فإذا جمعوا عادت الهمزة ، ولم تعد إلى موضعها لئلا ترجع كجمع مألكة ، وهي الرسالة ولو قيل : إن لفظ ملك مأخوذ من الملكوت ، فلذلك لم يهمز ، لأن أكثر الملائكة ليسوا برسل ، ولو أريد معنى الرسالة لقالوا : مؤلك ، كما تقول : مرسل ، ولضمت الميم في الواحد ، وتكون الهمزة على هذا زائدةً في الجميع كما زادوها في شمأل وهي من شملت الريح ، لكان هذا وجهاً حسناً ، وسر زيادة الهمزة في شمأل ، وهي من شملت الريح ، فأطلعت الهمزة رأسها لذلك ، إذ قد اجتمع فيها أنها من عن شمال البيت ، وأنها شامية ، وكذلك