عبد الرحمن السهيلي

142

الروض الأنف في تفسير السيرة النبوية ( دار الفكر )

غزوة قرقرة الكدر القرقرة : أرض ملساء ، والكدر : طير في ألوانها كدرة ، عرف بها ذلك الموضع ، وقد كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يذكر مسيره مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في تلك الغزوة ، فقال لعمران بن سوادة حين قال له : إن رعيتك تشكو منك عنف السياق ، وقهر الرعية فدقر على الدرة ، وجعل يمسح سيورها ، ثم قال : قد كنت زميل رسول الله صلى الله عليه وسلم في قرقرة الكدر ، فكنت أرتع فأشبع وأسقي فأروي ، وأكثر الزجر ، وأقل الضرب ، وأرد العنود ، وأزجر العروض ، وأضم اللفوت ، وأشهر العصا ، وأضرب باليد ، ولولا ذلك لأغذرت بعض ما أسوق أي : لضيعت فتركت ، يذكر حسن سياسته ، فيما ولي من ذلك . والعنود : الخارج عن الطريق ، والعروض المستصعب من الناس والدواب . وذكر أن أبا سفيان كان نذر ألا يمس رأسه ماء من جنابة ، حتى يغزو محمداً . في هذا الحديث أن الغسل من الجنابة كان معمولاً به في الجاهلية بقية من دين إبراهيم وإسماعيل ، كما بقي فيهم الحج والنكاح ؛ ولذلك سموها جنابةً ، وقالوا : رجل جنب وقوم جنب ، لمجانبتهم في تلك الحال البيت الحرام ، ومواضع قرباتهم ، ولذلك عرف معنى هذه الكلمة في القرآن أعني قوله : « وإن كُنْتُم جُنُباً فاطَّهَّرُوا » فكان الحدث الأكبر معروفاً بهذا الاسم ، فلم يحتاجوا إلى تفسيره ، وأما الحدث الأصغر ، وهو الموجب للوضوء ، فلم يكن معروفاً قبل الإسلام ؛ فلذلك لم يقل فيه : وإن كنتم محدثين ، فتوضؤوا كما قال : « وإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فاطَّهَّرُوا » بل قال : « فاغْسِلوا وُجُوهَكم وأيديَكم إلى المرافِق » الآية المائدة فبين الوضوء وأعضاءه وكيفيته ، والسبب الموجب له كالقيام من النوم والمجيء من الغائط ، وملامسة النساء ، ولم يحتج في أمر الجنابة إلى بيان أكثر من وجوب الطهارة ، منها : الصلاة . وقوله : أصوار نخل ، هي : جمع صور . والصور : نخل مجتمعة . سلام بن مشكم : وذكر سلام بن مشكم ، ويقال : فيه سلام ، ويقال : إنه ولد شعثاء التي يقول فيها حسان : لشعثاء التي قد تيّمته * فليس لعقله منها شفاءٌ وقول أبي سفيان : شماطيط جرهم . الشماطيط : الخيل المتفرقة ، ويقال للأخلاط من الناس أيضاً : شماطيط ، وأصله من الشميط ، وهو اختلاط الظلام بالضوء ، ومنه الشمط في الرأس . وقوله : ولم أكن لأقرحه ، والمقرح : الذي قد أثقله الدين ، وقد تقدم شرحه . وذكر أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أتى بحران معدناً بالحجاز من ناحية الفرع ، فأقام به شهر ربيع