عبد الرحمن السهيلي
92
الروض الأنف في تفسير السيرة النبوية ( دار الفكر )
آخر القصة ، وليس فيها إشكال ، وفيه من الفقه : الخروج عن الوطن ، وإن كان الوطن مكة على فضلها ، إذا كان الخروج فراراً بالدين ، وإن لم يكن إلى إسلام ، فإن الحبشة كانوا نصارى يعبدون المسيح ، ولا يقولون : هو عبد الله ، وقد تبين ذلك في هذا الحديث ، وسموا بهذه مهاجرين ، وهم أصحاب الهجرتين الذين أثنى الله عليهم بالسبق ، فقال : « والسابقون الأوَّلُون » وجاء في التفسير : أنهم الذين صلوا القبلتين ، وهاجروا الهجرتين ، وقد قيل أيضاً : هم الذين شهدوا بيعة الرضوان ، فانظر كيف أثنى الله عليهم بهذه الهجرة ، وهم قد خرجوا من بيت الله الحرام إلى دار كفر ، لما كان فعلهم ذلك احتياطاً على دينهم ، ورجاء أن يخلى بينهم وبين عبادة ربهم ، يذكرونه آمنين مطمئنين ، وهذا حكم مستمر متى غلب المنكر في بلد ، وأوذي على الحق مؤمن ، ورأى الباطل قاصراً للحق ، ورجا أن يكون في بلد آخر أي بلد كان يخلى بينه وبين دينه ، ويظهر فيه عبادة ربه ، فإن الخروج على هذا الوجه حتم على المؤمن ، وهذه الهجرة التي لا تنقطع إلى يوم القيامة : « ولِلَّهِ الْمَشْرِقُ والْمَغْربُ فأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وجْهُ اللَّهِ » البقرة . فصل : وليس في باقي حديثهم شيء يشرح ، قد شرح ابن هشام الشيوم ، وهم الآمنون ، فيحتمل أن تكون لفظة حبشية غير مشتقة ، ويحتمل أن يكون لها أصل في العربية ، وأن تكون من شمت السيف إذا أغمدته ، لأن الآمن مغمد عنه السيف ، أو لأنه مصون في صوان وحرز كالسيف في غمده . وقوله : ضوى إليك فتية أي : أووا إليك ، ولاذوا بك ، وأما ضوي بكسر الواو ، فهو من الضوى مقصور ، وهو الهزال ، وقال الشاعر : فتى لم تلده بنت عم قريبة * فيضوى ، وقد يضوى رديد الغرائب ومنه الحديث : اغتربوا لا تضووا ، يقول : إن تزويج القرائب يورث الضوى في الولد ، والضعف في القلب ، قال الراجز : إنّ بلالاً لم تشنه أُمّه * لم يتناسب خاله وعمّه العين هل هي صفة أو جارحة : وفيه : قومهم أعلى بهم عيناً ، أي : أبصر بهم ، أي : عينهم وإبصارهم فوق عين غيرهم في أمرهم ، فالعين ها هنا بمعنى الرؤية والإبصار ، لا بمعنى العين التي هي الجارحة ، وما سميت الجارحة عيناً إلا مجازاً ؛ لأنها موضع العيان ، وقد قالوا : عانه يعينه عيناً إذا رآه ، وإن كان الأشهر في هذا أن يقال : عاينه معاينة ، والأشهر في عنت أن يكون بمعنى الإصابة بالعين ، وإنما أوردنا هذا الكلام ، لتعلم أن العين في أصل وضع اللغة صفة لا جارحة ، وأنها إذا أضيفت