عبد الرحمن السهيلي
56
الروض الأنف في تفسير السيرة النبوية ( دار الفكر )
وقال : يعني أصحاب السلطان ، فاستدل بعض أهل العلم على أنهم كانوا مسلمين بقوله : لنتخذن عليهم مسجداً . وذكر الطبري أن أهل تلك المدينة تنازعوا قبل مبعثهم في الأجساد والأرواح . كيف تكون إعادتها يوم القيامة فقال قوم : تعاد الأجساد كما كانت بأرواحها ، كما يقوله أهل الإسلام ، وخالفهم آخرون ، وقالوا : تبعث الأرواح دون الأجساد ، كما يقوله النصارى ، وشري بينهم الشر ، واشتد الخلاف ، واشتد على ملكهم ما نزل بقومه من ذلك ، فلبس المسوح ، وافترش الرماد ، وأقبل على البكاء والتضرع إلى الله أن يريه الفضل فيما اختلفوا فيه ، فأحيا الله أصحاب الكهف عند ذلك ، فكان من حديثهم ما عرف وشهر ، فقال الملك لقومه : هذه آية أظهرها الله لكم لتتفقوا ، وتعلموا أن الله عز وجل كما أحيا هؤلاء ، وأعاد أرواحهم إلى أجسادهم ، فكذلك يعيد الخلق يوم القيامة كما بدأهم ، فرجع الكل إلى ما قاله الملك ، وعلموا أنه الحق . وأول الثمانية : فصل : وذكر قول الله سبحانه : « ويقولون سَبْعَةٌ وثامنهم كلبُهم » قد أفردنا للكلام على هذه الواو التي يسميها بعض الناس : واو الثمانية باباً طويلاً ، والذي يليق بهذا الموضع أن تعلم : أن هذه الواو تدل على تصديق القائلين لأنها عاطفة على كلام مضمر ، تقديره : نعم ، وثامنهم كلبهم ، وذلك أن قائلاً لو قال : إن زيداً شاعر ، فقلت له : وفقيه ، كنت قد صدقته ، كأنك قلت : نعم هو كذلك ، وفقيه أيضاً ، وفي الحديث : سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم : أيتوضأ بما أفضلت الخمر ، فقال : وبما أفضلت السباع . يريد : نعم ، وبما أفضلت السباع . خرجه الدارقطني . وفي التنزيل : « وارْزُقْ أهلَه من الثمرات مَنْ آمَنَ منهم باللّه واليوم الآخر قال ومَنْ كَفَر » البقرة هو من هذا الباب . فكذلك ما أخبره عنهم من قولهم : « ويقولون سبعة » ، فقال سبحانه : و « ثامنهم كلبهم » وليس كذلك : سادسهم كلبهم ، ورابعهم كلبهم ؛ لأنه في موضع النعت لما قبله ، فهو داخل تحت قوله سبحانه : « رَجْماً بالْغَيْبَ » ولم يقل ذلك في آخر القصة . إلا أن يشاء الله : فصل : وذكر قول الله تعالى : « ولا تَقُولَنَّ لشيء » وفسره ، فقال : أي استثن شيئة الله . الشيئة : مصدر شاء يشاء ، كما أن الخيفة مصدر خاف يخاف ، ولكن هذا التفسير ، وإن كان صحيح المعنى ، فلفظ الآية مشكل جداً ؛ لأن قوله : « لا تقولَنَّ لشيء إني فاعل ذلك غداً » الكهف نهى عن أن يقول هذا الكلام ، ولم ينهه عن أن يصله بإلا أن يشاء الله ، فيكون العبد المنهي عن هذا القول منهياً أيضاً عن أن يصله بقوله : « إلا أن يشاء اللّه » . هذا محال : فقوله إذاً : « إلا أن يشاء اللّه » استثناء من الله ، راجع إلى أول الكلام ، وهذا أيضاً إذا تأملته نقض لعزيمة النهي ، وإبطال لحكمه ، فإن السيد إذا قال لعبده : لا تقم إلا أن يشاء الله أن تقوم ، فقد حل عقدة النهي ؛ لأن مشيئة الله للفعل لا تعلم إلا بالفعل ، فللعبد إذاً أن يقوم ، ويقول : قد شاء الله أن نقوم ، فلا يكون للنهي معنىً على هذا ، فإذا لم يكن رد حرف الاستثناء إلى النهي ، ولا هو من الكلام الذي نهى العبد عنه ، فقد تبين إشكاله ، والجواب : أن في الكلام حذفاً وإضماراً تقديره : ولا تقولن : إني فاعل ذلك غداً إلا ذاكراً إلا أن يشاء الله ،